Saturday, May 11, 2013

عبدة الله وعبدة الشياطين




تحتجز الدولة ولمدة باتت الآن تزيد عن الشهر، أربعة طلّاب جامعيين بتهمة عبادة الشيطان. وكأي دولة عالم ثالث سحيق، لا يدرك القانونيون الأردنيون ولا رجال الأمن والأمان، ولا يتوقع منهم عكس ذلك، أن لا وجود لعبادة شياطين في العالم. الناس يا دوب عابدة الله، مش قاعدة بتدور على شياطين تعبدها. المشكلة الأعمق هنا هي أن هؤلاء الطلبة لا يمثلون أمام محكمة مدنية، بل أمام محكمة عسكرية، محكمة أمن الدولة.

يمثُل في الوقت ذاته ناشطون أردنيون أمام محكمة الظلام والتخلف بتهم مثل "محاولة تقويض نظام الحكم" و"إطالة اللسان". ولا داعي للسخرية من تهمة مثل "تطويل اللسان" مما يُذكر بخالتك دلال، لكن وجود تهمة "محاولة تقويض نظام الحكم" لشخص تكلم بكلام ما، مهما كان، تعتبر تهمة تافهة وغبية إلى أقصى الحدود. لن أستغرب أبداً إن خرج علينا مسؤولٌ أردني ليقول أن هذا الكلام مزاح، وأن الناشطين لا يقوضون النظام بأي كلام. أنا حقاً لن أتعجب إذ أن الإستغراب حقاً يجب أن يكون من كون أي كلام، مهما كان، قادراً على تقويض نظام الحكم. ما هذا النظام الذي يخاف على نفسه من التقويض بسبب كلمة. كلّي ثقة وأمل أن النظام لا يعتبر أي كلام مهدداً له، حقاً أتمنى أن يعتبر النظام نفسه أرسخ وأثبت من تهزه أي سلسلة من الكلمات أو الأصوات التي يقولها أي أحد. لأن عكس ذلك هو تراجيديا قاسية جداً، أن يحكم البلاد نظام بهذه الهشاشة. لا بد للنظام أن يتصرف بالحد الأدنى من الثقة بنفسه، مش معقول. 

محكمة أمن الدولة ليست غير دستورية فحسب، بل عسكرية وتصدر أحكاماً غير قابلة للنقد أو الاستئناف. وعلى الرغم من أن هذه المحكمة يفترض بها أن تتخصص في تهم الإرهاب والخيانة العظمى والتجسس، قرر العقل السياسي والأمني النظامي أن يمدّ في اختصاصها كي تحاكم الأفراد والمواطنين العاديين. لسببٍ ما، قرّر المركز السياسي والأمني الأردني أن يمارس أعتى أشكال القمع والإرهاب ضد سكان البلاد. طبعاً من المهم التذكير أنه وتبعاً للدستور الأردني، يعتبر التلاعب في المال العام خيانة عظمى مثلاً، لكن محكمة أمن الدولة لم تمد من سيطرتها لتحاكم فاسدين من أمثال خالد شاهين، ولم تحاول محكمة أمن الدولة توسيع اختصاصاتها كي تشمل تهم الفساد والإرتشاء ونهب المال العام. لا، قرّر عقل النظام الأردني أن يوجّه هذه المحكمة نحو الطلاب الجامعيين والناشطين.

يأتي إعتقال الطلاب الأربعة بعد أن تعرضوا للضرب والإهانة من قبل ما يزيد عن ٢٠٠ طالب في جامعتهم. هؤلاء الطلاب الذين اعتدوا على زملائهم ليسوا في أي هيئة مختصة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا لا، مجرد طلاب استخدموا القوة والعنف ضد زملائهم لأنهم يسمعون موسيقى مختلفة، أو لأن قصات شعرهم تختلف عن رؤوسهم المليئة بالجل والقرف الذين يضعونه. كان دور الجامعة هو الإمعان في إضطهاد الضحية بدلاً من التدخل لصالح الفرد والطالب والحرية الشخصية.


الأسوأ من هذا كله، هو أن موسيقى الميتال مثلاً، هي موسيقى كلاسيكية إلى أبعد الحدود، يمكننا القول أن لو فاجنر عاش معنا اليوم، كان سيكتب ويعزف نفس هذه الموسيقى إلى حد كبير. إن الموسيقى الكلاسيكية والميتال متشابهتان تماماً في الهيكلية والتناغمات المستخدمة فيهما. طبعاً يجهل مكتب عمادة شؤون الطلبة ورئاسة الجامعة ذلك، إذ أن هذه المكاتب صرفت العقود الماضية في ملاحقة الطلاب المسيسين بدلاً من البحث والقراءة والإستماع إلى موسيقى عدا موسيقى القرف والعنف على راديو الوكيل والأمن.

مكاتب المخابرات في الجامعات الأردنية والأمن الجامعي وشعب واحد لا شعبين والأمن والأمان لم ينفع الطلاب الأربعة الذين اضطهدوا بسبب الشكل والمظهر، لا بل إن إدارات الجامعات الأردنية التي تساهم في ذلك بشكل مؤسسي، هذه الإدارات لن تكون سوى مؤسسات سطحية تافهة لا تحكم بناءً على التقصي والبحث العلمي، بل على الشكل والمظهر. هذه هي الحقيقة. على كل حال، العنف الجامعي الذي يحصد أروحاً عدة كل عام مش مهم ولا يدفع بأجهزة الدولة والأمن والجامعات للتعاون فيما بينها كما أربعة طلاب فقدوا بلحظة حريتهم وتمت اهانتهم بموافقة ضمنية جامعية وأمنية. طبعاً، ماذا نتوقع من نظام لا يزال يستخدم هيئة قضائية كمحكمة أمن الدولة التي تنتمي في منطقها إلى فاشيات أوروبا الثلاثينات أو محاكم تفتيش تنتمي إلى عالم غير عالمنا.

هل هناك من داع للخوض في تفاصيل الحجج المنطقية التي أرساها برتراند رسل وروسو ورولز كي نثبت من جديد للقضاء الأردني والقانونيين المحليين أن حرية التعبير عن الرأي والعبادة والفكر من ضروريات المجتمع الصحي؟ ربما لا بد من إعادة تعليم وتأهيل للمؤسسات القضائية والقانونية الأردنية كي تتماشى مع الحد الأدنى لحقوق الإنسان، أقول إعادة تأهيل بالمعنى الحرفي للكلمة. طبعاً، إذ أن تغول المؤسسات الأمنية على الجامعات الأردنية لعقود، أدى إلى تخريج أجيال ساهمت في بناء مؤسسة قانونية وقضائية لا تمتلك الحد الأدنى من الثقافة في الفلسفة السياسية أو كلاسيكيات الحجج المنطقية التي تثبت حق الإنسان المقدس في الحرية.

ليس من الخطأ أن نذكر هنا فشل مؤسسات المجتمع المدني في التعامل مع هذه القضايا. كيف سنتوقع من الأحزاب الأردنية التي لا تمتلك أي تاريخ في تداول السلطة أو تعدد المنابر في صفوفها أن تخرج عن صمتها للدفاع عن حرية الأفراد. إن معظم الأحزاب الأردنية لا تؤمن ولا تكذب حتى في الإدعاء بأنها تقدس الحريات الفردية. كيف ستؤمن بحريات لطالما عارضتها في داخلها، وهي أحزاب اعتمدت على اللجان المركزية وتزكية قوائم الترشيح المحددة سلفاً والإنتخابات الشكلية، فقط الغباء أو سوء الملاحظة قد يجعلانا نتوقع أي تحرك إيجابي في هذا المجال من قبل مؤسسات أسوأ من النظام بكثير فيما يتعلق بالحريات والحقوق. أحزاب لن تتردد في نصب مشانق لمعارضيها لو أمسكت بالسلطة يوماً ما. (الله لا يقدّر)

هؤلاء الطلاب والناشطون هم ضحية لمجتمع متخلف متأخر فكرياً وحضارياً، مجتمع هو بحد ذاته ضحية لنظام متعجرف وقلق، سادي وفاشي وفاسد، وإن حاولنا أن نجد تحسناً في أداء النظام الإصلاحي في السنتين الماضيتين، فإننا نجد صفراً قاسياً يحدق بنا، لا شيء، لا إصلاح ولا زفت. لا يملك المرء شيئاً سوى أن يدعو هؤلاء الطلاب والناشطين إلى الهجرة. إن هذه الملفات القانونية القائمة ضدكم قد تساعدكم في قبول طلبات هجرتكم في الكثير من السفارات، إذ أن الرجل الأبيض، مهما كان سافلاً، يظل أعمق وأكثر إنسانيةً من أنظمة تحاكم المواطن أمام محكمة عسكر هندستها المخابرات. يظل الغرب الكافر أفضل من عبدة الله هنا، وتظل الغربة أفضل من الوطن الجائر.


لا داعي لأن نحاول، هذه أهم جملة هنا، الإستقواء بالمنظمات الغربية حلالٌ بل ربما فرض. لا داعي على الإطلاق أن نحاول أن نغيّر من الداخل. النظام لا يرانا بشراً، ويكترث لتعنيف الغرب فقط.

وللغربة كلمة أخيرة، هل تعتقد، عزيزي الماثل أمام محكمة القمع والتكميم والعسكر، أنك لا تعاني من الغربة هنا؟ أليس الإضطهاد الذي تعرض له الطلبة في الجامعة أقل بكثير من أي إضطهاد يتعرض له المهاجر غير الشرعي في النرويج؟ أليست الغربة أخف وأحلى وأحسن من الإغتراب في مجتمعك وبلدك عندما تحاكم عسكرياً بسبب كلمة أو قصة شعر؟ الغربة حتماً أخف من الإغتراب، والغريب أحن عليك من أهلك، إفهم، لو أن هناك معركة لقاتلنا من أجل الحرية، لكن لا وجود لمعركة، يوجد إعتداء وفقط، توجد ضحية، أنت وأنا، ضحايا لا غير، لسنا جنوداً ولا محاربين، يا ريت في معركة من أجل الحرية، يا ريت، في إنتهاك وهتك وإضطهاد لأبسط حرياتنا، فقط لا غير.

ومن باب الإحتياط والثقافة، للقضاء الأردني وللنظام، مش غلط الواحد يقرأ، جون ستيوارت ميل، سنة ١٨٥٩، كتب هذا الكتيب، وأول ما كتبه بقلك أنا مستحي من حالي إنه لسّا في داعي الواحد يثبت الصحّة المنطقية للحريات الفردية، جون ستوارت ميل كتب وهو مستحي، والنظام بيحبس وبحاكم عسكري في القرن ال٢١ وما بيستحي.

http://www.bartleby.com/130/1.html
There was an error in this gadget

Blogger templates

About