Wednesday, December 12, 2012

عن الإحتفال بالكرامة والكلام



لبّى العظيم كمال خوري اليوم دعوة مهرجان الكرامة لمجموعة "خفيفة" "الظل" من الشبان والشابات الأردنيين، للنقاش والحوار والكلام والاستفاضة في موضوع حقوق الإنسان. وفي حين تمت تلبية الدعوة من عدد أقل بكثير من العدد المدعو (إذ يبدو أن هنالك فهماً مجتمعياً عميقاً للعجز واللا قدرة على التغيير أو التصليح أو الإستصلاح)، فاضت الجلسات بما فاضت، وكان هنالك الكثير.

أولاً، إن المهرجان أو المؤتمر أو الفعالية أو الجلسة أو الإجتماع الذي يدعوني، ويدعو نيكولاس خوري أيضاً، يعاني من فقر فكري شديد يقارب القحط ويتجاوز مفاهيم التصحر والجفاف، وعمى بصري وبصيري هائل، يؤدي بطريقة ما، إلى أن تجمعني قاعة ما، مع نقيضي الفكري والثقافي والإنساني (لمن لا يعرف، نيكولاس خوري، بحسب وصفه لنفسه اليوم "كاتب مقالات سياسية وإجتماعية، وكوميدي محلي، ومغنّي راب"). إن كم الهوة والفجوة التي تحملتها جدران القاعة بسبب تواجد كلانا اليوم كان هائلاً بالمعنى الحرفي للكلمة. على كل، المفاجأة ليست هنا، بل كانت الصدمة ثقيلة الوقع أن المهرجان المعني بحقوق الإنسان، إستضاف نيكولاس خوري، الشهير بفيديو يسخر ويحاول أن يتفه فكرة حقوق المرأة، إستضافه ليكون أحد المتحدثين لشباب وشابات، لا يقلّون عني ذكاءً، مما جعلني أحس بالكثير من الإهانة وقلة الحيلة والضعف.

يمكنكم مشاهدة الإستهزاء بحقوق المرأة من خلال هذا الرابط، لكن أنصحكم بعدم ذلك إذ أن المزيد من المشاهدات يصب في مصلحة شركة خرابيش الإخوانية، ومصلحة كارهي مشروع حقوق المرأة
http://www.youtube.com/watch?v=Pppk8cSJr9E

لماذا؟ ما هو الخلل الحادث الذي من الممكن أن يؤدي إلى مثل هذه الجريمة بحق الفكر والعقل والتنوير؟ الجواب يبدأ بمساءلة الطبيعة البنيوية للمهرجان برمتها. كيف من الممكن لأي بنية، مهما كانت درجة العمى السائدة في لبناتها، أن تضعني وإياه في نفس المكان، لا بل، أنا في موقع المتلقي. إن ما أضاعه عقلي من علم ومعرفة بسبب الكحول، يفوق بسهولة كامل الوعي والإدراك الذي يمتلكه صاحب جملة "حقوق المرأة اشي، والمساواة مع الرجل اشي، أما تصيري جمعية والدعوة مفتوحة فهذا اشي تاني تماماً" (في التعليق على الحرية الجنسية للمرأة، على كلٍ، قد يواجه البعض صعوبة كبيرة في فهم النكتة، دعوني أوضّح، بما أن الجمعية تحتوي على الكثير من الأفراد، فإن الحرية الجنسية للمرأة، لاحظ المجاز الآن، تجعل المرأة كالجمعية. أما في مكمن النكتة، فلكم حرية البحث)

عودة لموضوعنا، قد أود أن أبيّن، أن المتحدثين الأربعة في أولى جلسات النقاش كانوا بكامل الروعة والصدق والإهتمام، وطرحوا شؤوناً وقضايا وأفكار جديدة وخلّاقة، قد أعرّج على هذه المواضيع لاحقاً في هذه التدوينة، لكن كان لا بد من توضيح هذا كي لا يقرأ المقال كانتقاد للمتحدثين، بل كانتقاد للبنية والعقل الواقف من وراء المهرجان.

قام المهرجان بعقد هذه الجلسات لمن؟ للشباب. ماذا يعني ذلك حقاً، الشباب؟ هل أفضل طريقة لإدارة الأمور تكون من خلال عقد اجتماعات لمجموعة يحدّدها العمر؟ أليس من الأفضل بناء المجموعة على أسس كالقاعدة الفكرية المشتركة؟ الخبرة في مجال العمل الحقوقي؟ النشاط في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان؟ حتى أسس أفقر من ذلك بكثير قد تكون أفضل من العمر، لو جيء بالناس إلى جلسات النقاش بناءً على الطول أو لون العينين، لكانت المجموعة المدعوة بنفس التشتت الناتج عن التحديد باستخدام العمر. وهنا تماماً تكمن المشكلة. لا أعتقد أن هنالك سبب واضح أو فكرة مقنعة من وراء دعوة "الشباب"، إلا أن رنين كلمة "شباب" يبدو إيجابياً وكأن له علاقة ما مع المستقبل أو التغيير أو ما شابه. من الصعب حقاً أن يقول احدهم أن الشباب فئة مجتمعية غير مهمة (بإستثناء مجموعة النواب في الحدث التاريخي عندما وصفوا الشباب بالسكارى والحشاشين، وأنهم أقل ذكاءً من أن يشاركوا في صنع القرار). المهم، السبب الوحيد الذي يخطر لي لتبرير القيام بندوات شبابية هو سهولة تسويق المشروع، إذ يسهل الهتاف والتصفيق والهلهلة والتطبيل والتزمير لندوة أو حدث "شبابي". شببلك ستايل. كل الحديث عن الشباب كان يتم وكأن الشباب فئة إجتماعية غامضة غير قابلة للفهم. أعجبني ذلك إذ أن العجز والحيرة الناتجة عن عدم القدرة على فهم الشباب مضحكة عندما تظهر على الوجوه.

ومن هنا، لا نجد صعوبة في فهم دعوة نيكولاس خوري الشببلك للحديث في موضوع حقوق الإنسان، لأنه شاب، والندوة شبابية، وليست هناك إهتمامات شبابية سوى متابعة سيل الحِكم التي تُصب على رؤوسنا من أفواه شباب n2o. هذا الذي حدث، هكذا صارت الأشياء.

حالياً أقوم بقراءة "كتاب الضحك والنسيان" (كل الشكر لمثنى غرايبة على النصيحة)، وكتاب "البنيوية وما بعدها" (شكراً أحمد الهور) وأقوم بهذه القراءة كإحدى سبل المضي في نموي الفكري والثقافي، لعل وعسى. وفيما أنا أمضي في هذه المحاولات -الفاشلة- للعمل على تسريع هذا النمو، يفاجئني نيكولاس اليوم بجملة "الإرهاب الذي يتخذ من الدين قناعاً له...". أليس رمي أناس أبرياء مثلي بهذه التفاهة، بحد ذاته إنتهاك لحقوق الإنسان. هنالك خلل شديد جداً في هذا الوجود. والله! (يتناسى هؤلاء أن الدين منتج للإرهاب، وليس مجرد قناع) (تستفزني حقيقة أن الكتابة باللغة العربية على الحاسوب، لا تمكّن كتابة كلمة "الله" بدون الشدّة، فبدلاً من أن يقوم المؤمن بالتشديد عندما يكتب، ينبغي على الكافر، مثلي، أن يجد طريقة ما لإزالة التشدّد من على الله، وهذا تعبير دقيق عن معركة العلمانيين مع قوى التخلف والظلامية والرجعية وأمجد قورشا- أيضاً نبهنا نيكولاس اليوم أن أمجد قورشا صديق شخصي له، هل هذه صدفة؟)

من ضمن الأسئلة التي واجهتني خلال حضور جلسات المهرجان، "لماذا لم يتم المجيء برجائي قواس أيضاً؟". يعني التفاهة والسذاجة والتسطيح حدث، لم لا يتم أخذ الأمور إلى نتائجها القصوى والمجيء بقواس وفاطمة الشوملي ليتحدثوا لنا عن حقوق الإنسان؟

أيضاً، من ضمن ما لاحظت اليوم، التكرار المقزز للعبارات التي تحمل كلمة تغيير. التغيير المنتظر، الشباب الذي سيقوم بالتغيير، التغيير والإصلاح، التغيير بحاجة ماسة ل، التغيير المستقبلي، التغيير، التغيير. لا أحد يدرك تماماً ما هو الذي نحن بصدد تغييره، مجرد التغيير والشباب والشباب والتغيير. لا أدعي أن على التغيير أن يكون من خلال خطة، أو إستراتيجية، أو النفس الطويل، الأزمة أن كلمة تغيير عندما تنطق في هذه المحافل لا يصحبها مفعول به. وكأنما الجميع يدرك ما الذي يجب تغييره، لكنهم يدركون أن من الخطير لفظه. سأقوم بها الآن، جاهزين؟ تغيير النظام.

المفهوم الجديد بالنسبة لي، والذي طرح مراراً في الجلسات اليوم، هو مفهوم الإقصاء. تكلم المتكلمون في ماهية الإقصاء، وكيفية أن الإقصاء هو أحد أشكال إنتهاك حقوق الإنسان (كلمة إنتهاك كلمة غريبة، وفيها ما هو جنسي). الإقصاء للمرأة، الإقصاء ل... الشباب! الإقصاء بكافة أشكاله. أثار ذلك في ذهني ما يلي: "هل من الممكن وجود نص أو مجتمع أو مقال أو عملية ما لا تحتوي على شكل من أشكال الإقصاء؟". الجواب برأيي هو لا. كل الأشياء المحدودة (وكل شيء محدود) لا بد لها أن تسكت عن شيء ما، أن تقصي جانباً ما، فرداً ما، كي تتمكن من العمل في ظل محدودية الزمن والموارد. وبالتالي، فإن مفهوم الإقصاء لا بد أن يشتمل في إعادة تعريفه على طريقة ما لإبقائه آنياً بالرغم من كونه دائم الحضور. (إذ أن الأشياء دائمة الحضور غالباً ما تبتعد عن إمكانية الحديث عنها بشكل يحمل في طياته الشعور بالعجلة أو الآنية)

على كل، وبأول فرصة لي للتحدث، قمت بطرح السؤال التالي على أستاذنا الكبير نيكولاس: "الأراء الساخرة أو التي تحاول تتفيه فكرة حقوق المرأة، كما رأيك الذي عبرت عنه في حلقة n2o، كيف يتماشى مع حديثك الآن عن حقوق الإنسان من ضمن فعاليات مهرجان كرامة؟" وعينك ما تشوف إلا النور. تحولت القاعة وبشكل مفاجئ وسريع لساعة كاملة إلى شكل من أشكال المحاكمة. من أجمل المشاهد التي رأيتها في حياتي. مداخلة تلو الأخرى، كانت تتسأل عن كيفية تبرير الأستاذ الكبير نيكولاس لموقفه، أيضاً كانت كل الإجابة التي يقدمها تزيد الطين بلة، إذ وفي كل مرة كان يحاول تفسير "قصده" كانت النتيجة تخرج أشد قبحاً وسوءًا. الجميل أن المحاولة المستمرة من مديرة الجلسة لإنهاء هذا الشكل من الحوار فشلت مرات عدة. والأجمل من ذلك بكثير هو جملة كمال خوري العظيم لاحقاً التي لامست مسامع الأستاذ "أنا سعيد جداً بتحول الجلسة إلى جلسة محاكمة لك". وهذا صادق، كانت الجلسة شديدة القسوة، وعملت جاهداً على منع أي نوع من مشاعر التعاطف من أن تنساب إلى قلبي، وكانت النتيجة ما يلي، ممارسة واضحة ومباشرة لأجمل وأرقى أشكال الإقصاء ضد من ينبغي إقصاؤه. كانت نجاحاً مهولاً من قبل المتحدثين في بداية النهار في تفسير وتوضيح وشرح ممارسة الإقصاء، كم كنت أتمنى لو أنهم شاهدوا اللحظات التي أثبتت أن المستمعين كانوا يستمعون، ويتعلمون، ولاحقاً يمارسون.

من الأشياء التي تم الحديث عنها أيضاً كان إقصاء السحيجة. العديد من المشاركين اعتبروا أن ممارسة الإقصاء لا تجوز على السحيجة والبلطجية والسرسرية والزعران الذين يستأجرهم النظام لقمع مسيرات الحرية. لم أتمكن من قول رأيي بهذه النقطة، إذ وقبل أن أتفوه بكلمة، تنبهت إلى أن المُقصى نيكولاس يحمل نفس الموقف العام من هذا الشأن كما موقفي (مما شككني بالموقف، لكني فهمت لاحقاً أن إمكانية وجود موقف عام مشترك ضئيلة، لكن إمكانية وجود موقف عام مشترك لنفس السبب وبنفس الأفكار معدومة)، فما كان مني إلا السكوت. لكن، وكفكرة، إن المنكرين لحقوق الإنسان يجب أن يُنكروا هذه الحقوق. وبالتالي، فإن السحيج، أو البلطجي، يجب أن يعامل كما معاملة الّابة التي تروم الأرض، لا أكثر ولا أقل، لا يمكن الإصرار على حقوق الإنسان لحيوانات.

لدي الكثير من الأفكار التي أود كتابتها عن الموضوع، لكن طالت هذه التدوينة، فسأتابع لاحقاً في تدوينة أخرى.



There was an error in this gadget

Blogger templates

About