Saturday, September 29, 2012

المفاجأة


إلى أين؟ (من أهم الأسئلة التي تطرح دائماً وابداً، لا مجال لأن يكون هذا السؤال خارج عن سياق حياتنا في أي لحظة)

الإجابة: إلى الهاوية والتهلكة والجحيم على الأرض إن شاء الله، بلا عودة ولا رجوع، وهذا الكلام لا يعمل بمنطق "لازم تخرب عشان تعمر" بل بالعكس تماماً، وبصدق اللحظات الأخيرة ولفظ الروح، "لازم تخرب عشان تخرب وتخرب أكثر"

امتطي سرفيس اللويبده، كباقي فرسان القرن الوحيد والعشرين، يومياً بإتجاه وسط البلد. لكن قبل عدة أيام، يتربص بي المشهد الآتي:

المشهد الأول: "عمال من شركة مياههم والبلدية يقومون بفتح أحد المناهل في الطريق، يبدو أن المنهل مغلق بسبب قذارتنا. ولسبب ما، وفي أثناء عملهم، يتدفق سيل، أو حتى نهر، من المجاري يناور طريقه عبر الشارع بإتجاه ال-"داون تاون" العمّانية. رائحة نتنة مثيرة للإشمئزاز تخرق الأنف والوعي، وكميات من الخرى في كل مكان لتصل شرفة مطعم هاشم المقرف ودي في دي حموده وما لف لفيفهما. مشهد سينمائي عظيم، نهر من المجاري يغزو وسط البلد"

الأزمة في المشهد قد تبدو للوهلة الأولى، وببساطة، مشكلة الخرى وهو يغزو -مظفراً- وسط البلد. لكن الحقيقة المقرفة/المضحكة/المقززة هي غير ذلك تماماً. إن الخلل في المشهد يكمن في أنني، وبرفقة الموجودين هناك آنذاك، شعرنا بكم هائل من القرف، والرغبة في التقيؤ والإبتعاد. لماذا؟ هل اعتدنا كثيراً على معايير سياحية من العيش، أو معايير بيرلينية من النظافة والهواء الطلق النظيف، كي نشعر بأن هذا الخلل في تصريف مخلفاتنا هو خللٌ غريبٌ بعيدٌ عنا. برأيي أن شعورنا بهذا الكم من القرف تبرره قدرتنا الدائمة والمرضية على التفاجؤ، سواء كان سبب هذا التفاجؤ هو أحد الأشياء المحيطة بنا، أو نحن أنفسنا، أو العادي المعتاد. هل كان مشهد نهر المجاري بالنسبة لي وللعابرين آنذاك أول مرة نرى فيها الخرى؟ هل كانت تلك أول مرة نرى فيها خرانا يغزو محيطنا المباشر(بشكل مجازي وحرفي معاً)؟ لم تفاجأنا؟ وكأننا نعيش في مكان صنع من الحلوى والفراولة المثيرة وكرز الشهوة.

المشهد الثاني (قد يبدو كمثال آخر على نفس القضية، لكنه حقيقةً مختلف كما سيظهر لاحقاً): "موعد غرامي مشحون بالعاطفة، يحدث أسبوعياً في وسط البلد، ما بين البلطجية/السحيجة/الزعران من جهة وشباب وشابات الحراك العظيم الواعي الناضج الفذ من الجهة الأخرى. رقصة كما التانجو ما بين هتاف ومسيرة الإصلاح وهتاف المسيرة المستأجرة من قبل الأجهزة الأمنية. موعد غرامي أسبوعي ما بين الغزل المتبادل واللمس والمناورة والأدرينالين. المهم هنا ما يتبع الموعد، جمل مهينة للذكاء على ألسن الناشطين "شفت يا زلمه هالزعران، من وين بجيبوهم" أو "يخي أنا مش فاهم عنو هال نظام، اشي مسخرة ما بيستحو" أو وأخيراً "شو هل أشكال إلي ببعتولنا ياهم، معقول هيك؟""

طبعاً لا داعي للتذكير(إذاً لماذا أذكّر؟) بأن الزعران منا وفينا. هذه لم تكن المرة الأولى التي يرى فيها أحدهم مجموعة من الزعران. هم موجودن في مدننا، وهم منّا، نتاج مجتمعنا، كلنا نعرف الأزعر/البلطجي ما أن نراه، ونعرف أنه لم يأتي بشكل طارىء من سويسرا. أيضاً، لم التفاجؤ من كون النظام استخدمهم في موعد ما؟ ما هو الفرق الحقيقي ما بين البلطجية والكثير من لبنات بناء النظام أصلاً؟ سوى اللّهم أن البلطجية الكبار هم أولئك من خلف المكاتب، لا يستنشقون الآغو، يشربون الشيفاز بدلاً من البارفوك السام، يُدفع لهم عبر تحويلات بنكية بدلاً من "كاش" (إذ أن البلطجية الصغار يحبون ملمس المال، بعكس الكبار المهوسين برقمٍ في البنك).

على كلٍ، وعودةً إلى القضية الأساسية، المفاجأة التي نشعر بها، لا يبررها سوى الكم الهائل المرعب الذي يتملكنا من الغباء في بعض الأحيان (طبعاً، وكالعادة، أنا تحديداً أتربع على رأس قائمة الغباء). علينا أن نبدأ وبشكل واعي وسريع بتحويل هذا الشعور من "المفاجأة" إلى شعور بالتفاجؤ منها. علينا كشعب واعي ذكي ومتعلم ومدرك  وواعي (هههههه، مستحيل!) أن نحرك أنفسنا بإتجاه الشعور الصادق والقاسي والدائم بالمفاجأة من تفاجؤنا الدائم بحقيقتنا. بإختصار، خلق واعي لشعورجديد ودائم هو "المفاجأة من تفاجؤنا".

المشهد الثالث المرتقب: "سيل من الإسلاميين يتجاوز عددهم الخمسين ألفاً يتدفقون إلى مكانٍ ما في المدينة، لحى غير مهذبة في كل مكان من حولك، وجوه وسمات يملؤها الغضب غير المبرر. حناجر تكاد تتفجر من الإيمان بشيء ما وصوت يقودهم لا تشوبه سوى القلقلة والقليل من الإدغام. في لحظة انطلقوا، بلا مقدمات، مخلوقات تجوب الشوارع بإتجاهٍ محددٍ لا تدركه."

أكيد، وبعد كل ما قيل/كتب لن نشعر بالمفاجأة. لكن لا بد من قول المزيد.

لم يتدفق هذا السيل للدفاع عن الحق. لم يخرج للدفاع عن أي حق من حقوقنا المنهوبة. لم يخرج للدفاع عن معتقلي حرية التعبيرعن الرأي (وحتى لو أنهم كانوا من الإخوان، لم يكن هذا النهر من التدين والعفة لينبثق من أجلهم). في الحقيقة، تتعارض حرية التعبير عن الرأي مع أبسط وأعمق طباع جماعة الإخوان. إذ لا وجود لرأي في ظل وجود الرأي، ولا وجود لعقل في ظل وجود النص، ولا مكان للإجتهاد الذي يجافي الحقيقة الواحدة المُقررة. أيضاً، لم يخرج هذا السيل للدفاع عن الحرية الصحفية التي تُكبل تكبيلاً في كل لحظة (واكيد لم يخرج هذا السيل لمنع حجب المواقع الإباحية، إذ أن نوعاً واحداً يتيماً من الإباحية يسمح له بالوجود، إباحية سلفيي مصر، إباحية ختان الطفلة ومن ثم تحليل الزواج بها، هذه الإباحية التي لن يتدفق سيل من اللحى لحجبها). إستكمالاً، لم يخرج هذا الكرنفال الصادق من أجل تأميم ممتلكات الدولة، ولا من أجل الإصلاح في قانون الإنتخابات أيضاً (إذ أن من يؤمن بالشورى، لا يفاجئنا -كما ذكرنا أعلاه- أبداً بكم قناعته وعدد الكلمات التي يرجمنا بها في سبيل قانون انتخبات ينفعه).

فاصل إعلاني ثم نعود إلى المشهد الختامي: من ضمن الأفكار الجانبية التي نتجت عن تطرق/تحليل كمال خوري العظيم لأزمته الوجودية الحالية هي فكرة البيت/الإنتماء. لا يوجد مرادف دقيق لكلمة "home" في اللغة العربية (ليست صدفة، إذ من الصعب أن توفّر الصحراء شيئاً كهذا). مثلاً، البيت للمبيت، والمنزل للنزول، لكن هذه الكلمات لا تحمل ما تحمله كلمة "home" من إحساس غير معلن بالراحة الناجمة عن الإنتماء والتملك، الإحساس بالعودة إليه وليس المبيت أو النزول فيه، وكأنه موجود منذ الأزل. لذا سنترجم "home" بلا دقة إلى البيت/الإنتماء/العودة. رجوعاً إلى فكرة خوري، فإن المكان الذي يمكن للفرد أن يطلق عليه هذه الصفة أو الإسم، هو المكان الذي يستطيع فيه، وبراحة تامة، أن يتجول بهدوء وسعادة بلا ملابس على الإطلاق. إن المكان الذي يطلق قدرة الإنسان على كشف جميع "عوراته" وترهلاته (نظرة الآخر) وعقده المتعلقة بوعيه لذاته (نظرته لنفسه) هو المكان الذي يمكن أن نطلق عليه إسم بيت بالمعنى الموضّح أعلاه. فبالرغم من كل المنازل والبيوت والشقق المحيطة بنا (التي تحجب الشمس كما يحجب البلطجية الإنترنت) إلا أن قليلاً جداً منها يشكل مكان الراحة والعودة المطلق. يعجز البعض عن التعري التام في غرف نومهم، وإن كانوا فرادى. قد يكون البيت/العودة الذي يمارسه معظمنا كما يجب هو الحمام. إن اللحظات التي نعود/ننتمي فيها كما يجب هي: ١. عندما نمتطي المرحاض، فرساناً في القرن الواحد والعشرين، كي نرسل خرانا ليتدفق ويجوب أشباه المدن التي نسكنها. ٢. عندما نستحم من ما أصابنا من قذارة المدينة والبلد والأمة والبشرية جمعاء. ٣. عندما نتأمل دناءة أجسامنا التي فرضت علينا في المرآة، بكل ما تحمله من عيوب وترهلٍ دسمٍ وتجاعيد. هي لحظات عودة وصدق ودفء، حيث يجب أن تكون، في غرفة العيب والابتلال.


المشهد الأخير: سيخرج اخوان الجماعة بعد أيامٍ لا يفيدها العد، خمسون ألفاً من الإخوان سيخرجون، أو خمسون، أو خمسة، لا يهم. من كل مكان سيتفجرون، ساعون كالسيل، من بطن الأرض ومن على الشجر، سيخرقون وعينا في الطريق، سيتدفقون عبر الشوارع إلى مكانٍ ما محدد لا يدركونه، جموعٌ غفيرة وصفوفٌ طويلةٌ متراصة. من كل مكانٍ يأتون، هم نحن، منا وفينا، لم يأتوا على وجه السرعة من مكانٍ بعيد، لا لا، انهم نحن. سيظهرون ظهوراً كما الكرنفال المرتجل، لأنهم يرغبون اليوم، كما في كل يوم، في أن ينهشوا من حناجرنا وأرواحنا مع البلطجية الكبار، لأنهم اليوم، كما في كل يوم، يريدون مزيداً ويعطون قليلاً، لأن لا أحد غيرهم على وجه المعمورة هذه يستحق كما يستحقون. سيخرج الإسلاميون هذه المرة، كما كل مرة، عراةً تماماً، لا داعي لإخفاء العورة ولا الانتهاز، إذ أنهم منا وفينا، وهذا بيتهم وهذه إحدى اللحظات الصادقة، التي يتعرون فيها كي يمتطوا شيئاً ما، كي يمتطوا ظهورنا، هنا المكان وهذا هو الزمان الذي يشعرهم براحة العودة الأزلية. هذا المكان الذي يستحقهم، لم يأت هؤلاء من الغرب القذر حيث لا رقابة ولا اعتقال سياسي ولا فساد، لم يسلّطهم علينا أعداؤنا ذوي الحريات والشفافية، بل ترعرعوا هنا، شربوا من إكسير النظام والأخلاق وعفن فساد الفساد. هذه هي النتيجة الوحيدة القابلة للولادة من حفل سفاح المال والدين والأجهزة الأمنية تحت غطاء الظلامية الملتف على أفواهنا وعقولنا.

طبعاً، كما يحدث دائماً معنا، نقف بؤساء عاجزين صامتين، وأيدينا قد اندست في جيوب مثقوبة، ننظر من بعيد، في لحظةٍ من الدهشة والذهول، نفتح أفواهاً فاغرة، بغباء، لأننا تفاجأنا، لأننا صُدمنا. هذه أفواه صنعت لتأكل الفلافل لا لُتظهر البلاهة، لا بد أن تغلق هذه الأفواه، وإن فتحت لاحقاً، فلتفتح بسبب التفاجؤ من المفاجأة بقليل من الذكاء الساذج.

ودبرنا يللي يتدبر.
There was an error in this gadget

Blogger templates

About