Monday, November 19, 2012

تأبين تشرين

على ما يبدو، ستبدأ الإحتجاجات الشعبية بالخفوت والتراجع في الإيام القليلة القادمة، وهبة تشرين يتم اجهاضها الآن في هذه اللحظات من قبل الإخوان عديمي الشرف السياسي ونظام البطش والبلطجة والعنف وتكسير العظام في مخافر الأمن والأمان ويسعد رب جلالة سيدنا. لكن هذه الإحتجاجات، ستعود أقوى وأعمق قريباً جداً، في الأشهر القليلة القادمة، وإذا مش بكرة البعدو أكيد. ستعود الإحتجاجات عنيفة مدوية في كل زاوية عندما يبدأ الأثر بالظهور على قوت الناس وشرفهم، عندها، ستعود الإحتجاجات أقوى، ولن يكون هنالك هبة، بل ثورة عارمة ستطيح بكل الكراسي وأصحاب المعالي والسعادة والسمو وكله، لن يبقى أحد في مكانه المعتاد، وسيبدأ العنف في الشارع وعينك ما تشوف إلا النور.

لكن عندما يحدث ذلك، سأكون أنا في أول صف من صفوف السحيجة والبلطجية، سأكون أول حاملي العصي وسأنهال على أبناء هذه البلد ضرباً مبرحاً بلا رحمة ولا هوادة، أمة بدها حرق، شعب لا يملك الشرف ولا الأمل ولا الرغبة، ماكينات لا تستحق التعاطف ولا الغد ولا المستقبل. عندما يخرج الشباب، ويذهبون إلى عقر دار المفقرين والمحرومين والجياع، إلى منازلهم يذهبون، ويصرخون "لا لرفع الأسعار"، ماذا يحدث؟ يخرج من الوحدات والجوفة والأشرفية معاً ما لا يتجاوز ال-٦٠٠٠ متظاهر. هذا ما يحدث. لأننا بلا شرف ولا هوية، لأننا أقل من أن نكون شعباً، نحن لا شيء، مجموعة من الفشلة الجبناء المتخلفين، لا نستحق كرامتنا ولا يومنا القادم. أمة تمنع الأمهات فيها ابنائهن من التظاهر للقمة العيش، أمة تصرخ الحجة منها في الشارع برجل الدرك، "هيهم هيهم، راحو هناك" مشيرةً إلى أماكن هروب الشباب. أمة يخرج منها خرس أكثر من الناطقين. إمرأة مسنة صرخت قبل أيام بأحد الشباب الناشطين "روحو من هون، انتو ايش بدكم". ايش بدهم؟ أنا بقلك ايش بدهم، بدهم العدالة الإجتماعية لك ولأبنائك يا قحبة يا شرموطة، يريدون التعليم المجاني والرعاية الصحية والإقتصاد الإجتماعي، كي لا يكبر أبناؤك أغبياء متخلفين معاقين كما هم الآن، يرضعون من قضيب الأرجيلة مزيداً من العهر والغباء فيخرجون معاقين كما أنت وزوجك.

شو بدهم؟ الشباب الناشط أو الحراكي، في معظمهم لديهم وظائف ثابتة مستقرة، بمداخيل يفوق ٨٠% منها دخل ٩٠% من سكان المناطق الفقيرة. نفس المناطق الفقيرة التي لا تخرج إلا ٦٠٠٠ شاب إلى المظاهرة. هؤلاء الشباب الناشطون، أقلهم فهماً أكثر ثقافة من رئيس الوزراء الذي يكذب إلى عينك على التلفاز، ويقول لك أن رفع الأسعار وتحريرها سيرفع من مستوى معيشتك، وتصدقون يا أغبياء لأنكم بلا عقول ولا روح، ولا تعلمون ما تأكلون ولا تشربون، دواب بلا عقل ولا أدب ولا إستحقاق للحياة. هؤلاء الشباب الناشطون، التي افلتت عليهم كلاب الدرك، اغباهم ألمع وأذكى من رجال الأمن، الذين خرجوا عليكم مهددين، يرمونكم بالبلطجة والزعرنة والقبح وأنتم في مجالسكم الباردة في المنازل، لا تفقهون. هذا الشعب لا يستحق هؤلاء الشباب، الذين اعتقلوا وعذبوا وضربوا في زنازين الأمن والأمان والتعريص الذي يحشوه الوكيل والمجالي في آذانكم.

وعلى سيرة الأمن والتعريص، فقط للتوضيح، جهاز الدرك لا يعدو كونه مؤسسة لتربية كلاب الشم والإفتراس. جهاز الدرك قام بما لا تتصوره عقولكم المريضة الخانعة، وهي تستمني أمام اخواتها أثناء مشاهدة البلطجي يتحدث في مؤتمره الصحفي الفاشل. شباب كثر كسّرت عظامهم تحت بلطجة الدرك، ووضعوا في زنازن الأمن العام، يتقيأون من تكسر أطرافهم، بلا علاج، بلا رعاية ولا رحمة، لكن بالكثير من الشعور بالأمان، انبسطوا يا عديمي الشرف والكرامة. شباب آخرون قضوا ساعات طويلة تحت الضرب والتعذيب والإهانة الجسدية واللفظية لأنهم صرخوا بالسماء من أجل حقوق الناس الصم البكم المشوهين. ٨٠ شاب تم تحويلهم إلى محاكمات عسكرية تخالف كل معيار من معايير حقوق الإنسان، يواجهون بطش المؤسسة، لأنهم خرجوا بدونكم يا حيوانات، بتهم لا تمتلكون الذكاء الكافي لفهمها، كتكوين عصابة أشرار. عودة، جهاز الدرك بما يحويه من بلطجية وزعران وسرسرية ونور (والنور أشرف وأطهر وأجمل وأنقى منهم) قام بأعمال مرعبة بحق الأبرياء فيما يأتي أحدهم بكل ما أوتي من تخلف وإنحطاط، ويقول لك، "هؤلاء اخوننا وأبناؤنا". ليش حضرتك مستحيل أخواننا وأبناؤنا يكونوا كلاب ومزابل؟ عادي، أجهزة دولة أخذت أخوتنا الذين لديهم القدرة على التعذيب والضرب والإهانة، ولم يؤخذ في أجهزة القمع والتكميم أبناؤنا وأخواننا الأطباء والمهندسين والمثقفين. جهاز بحاجة إلى أغبياء وحوش لا تفكر ولا تفهم، ما فيها إشي، كلنا معرضون لأبناء وأخوة كهؤلاء. ولا تجمعنا معهم لا لقمة العيش ولا الأخلاق ولا الشرف ولا الإنسانية. عادي، لسنا مجبرين بالدفاع عن من يبطش بالناس.

عمان البرجوازية يمكن تبرير انحطاطها إلى أسفل درك سافل في العالم، فسيدات المجتمع يخفن على نمط حياتهن القذر الدنيء، يحببن تكثيف الدسم والشحم على أجسادهن البشعة السمينة، يخاف إبن العاهرة السمينة على سيارته التي لم يسدد قروضها، من ذلك الحراك الشرير، الذي يأتي ليكسر سيارته، يخاف أخو العاهرة نفسها على حديقة منزله من تقلب الجو السياسي العام. لا يحب أبناء عمان المومس الغربية رؤية إطار محروق، لأنه يذكرهم بأن المشكلة ما فتئت تدق أبواب شارع الرينبو بما فيه من تافهة وسفاهة، وكأن المشكلة قد تصل عبدون القرف والبندقة واللا أصل، عمان اللقيطة العاهرة الشرموطة التي يحبونها، بأصالة مراكزها التجارية وعراقة جسورها الفاشلة. تخاف عمان الغربية على ساقيها المفتوحات لسفارات السيادة الوطنية، تشي تشي قد يغلق أبوابه في وجوه التفه، فبلاش هبة. أيضاً، عمان الغربية تخاف على عذريتها من القذرين الصارخين الغاضبين الخارجين إلى الشوارع، فهم لا يستحمون يومياً لأنهم لا يحبون النظافة.

لكن، عمان الشرقية لم تشتعل مساء البارحة، ولن تشتعل مساء اليوم. لماذا؟ لأننا لسنا شعباً ولا بشراً ولا شيئاً يستحق الذكر، لأننا نستحق الفقر والتهميش. لأننا بلا أخلاق. هذا اليسار الفاشل، ظل يعلف ذهني بحقوق الناس والمساوة والعدالة، وظللت أجتر هذه التفاهات عبر سنوات عمري، وكل التفاهات الأخرى المحيطة بها، من ديالكتيك الزفت وتمايز الطبقة والمثقف العضوي والمثقف الخرى على وجهه، علفت نفسي بالتطور الحلزوني والحتميات وحركة التاريخ والتغير النوعي والكمي. حكي فاضي يابا، كل هذه الترهات لا مكان لها في الواقع، الحقيقة المرة الوحيدة هي اننا أمة بدها حرق، ولا شيء آخر، ولسنا متساوين ولا كل الناس يحق لها التكافؤ في الفرص أو في الرعاية أو أي شيء. كل واحد منا له نفسه. والفقير المسحوق المطحون يستحق ما هو فيه، والغني الله يزيدو، شاء من شاء، ومن أبى فليذهب إلى الشارع، فليحرق الإطارات، لكن هذه المرة لنرى يا غبي من سيقف معك، فلتطلق في اثره كلاب الدرك، فليعذب، فليتأوه من كسوره وحده، فليفعل ما عليه أن يفعله لينال ما يريد، ليست هذه معركتي ولا نفسي ولا مصلحتي، الله لا يردك، وسأصرخ بالدرك مشيراً إلى إتجاه هروبه، وفيما لو أمسكوه، سأبصق في وجهه، وسأقول "إنت ايش بدك، روح من هون". خطأ عمي خطأ، لسنا سواسية ولا العدالة هي مخرجنا. لو كنا سواسية في تحمل القمع كان زمان صرنا دولة حديثة. ولسنا سواسية في قدراتنا وفهمنا وذكائنا، وهذه ليست مصيبة، كل واحد يدبر حاله. أمه بدها حرق لعين بنار ملتهبة تأكل رماد رماد بقاينا.

أنا من الآن وصاعداً لست يسارياً، ولا أؤمن بالخلاص الجماعي ولا العمل العام ولا هبة الفقراء ولا طيزي، من اليوم وصاعداً، أنا لنفسي، سأجد عملاً آخراً فيه مال أكثر، فيه إستغلال لقدراتي وذكائي، اللهم نفسي، ولعنة الله فلتنصب على هكذا بلد وهكذا ناس وهكذا شعوب. سأعمل للمرة الأولى في حياتي من أجل المال ومستقبلي المادي البحت، سأشرب قهوتي في عبدون، سيارتي الحديثة ستكون أغلى من بيوت أسر بأكملها، وسأرمي ديناراً للفقير المتخلف الواقف على الإشارة، بدل أتعابه، ولن اكترث أكثر من ذلك. لأنه يستحق الفقر والهوان والذل، وأستحق أنا الحياة الكريمة لأنني ولدت هكذا، ولدي ما لدي من قدرة وذكاء، روح موت يجعلك عمرك ما أكلت ولا شربت، أنا راح أعيش، ومنيح كثير، والله لا يردك يا حمار، يجعلك عمرك لا فهمت ولا طلعت ولا نزلت.
There was an error in this gadget

Blogger templates

About