Monday, June 24, 2013

عن العيب والأمل



لم أعد أطمح أو أنتظر أو أتوقع أي نوع من الإصلاح أو التحسّن على أي صعيد أو في أي مجال في هذه البلاد على الإطلاق. وبات كل ما أطالب به أو أريده أو أتمناه هو مجرد إدخال مبدأ العيب في علاقاتنا مع الدولة ومكوناتها التي يصوغها هذا العقد الاجتماعي الساقط. علينا أن ننتبه إلى أن الوصول أو الاقتراب من فكرة احتمال وجود مشروع تيار، قد يسعى يوماً ما، إلى دولة مدنية ديمقراطية في هذه البلاد، قد بات في حكم الخيال العلمي (وذلك بسبب الخمول والتقاعس وفقدان الأمل الشامل الذي ضرب كل مسيسي البلاد، موجة عدمية قوية أزالت كل شعلة أمل أو بريق عمل، إلا اللهم أولئك الساديين الذين ما فتئوا يصفقون للجزار بشار، فلا تعنيهم أحداث البلاد ولا مصائبها، يعنيهم فقط بقاء مرتكب الجرائم ضد الإنسانية على عرشه الجمهوري).

ولذلك، علينا كبشر ما زالت فيهم حلاوة الروح تنتفض، أن نسعى بصدق إلى التعامل بمدأ العيب في هذه البلاد، لا ديمقراطية ولا تشاركية ولا حرية ولا حقوق ولا زفت، كل هذه المفاهيم بعيدة أشد البعد عنا اليوم، ولم تكن يوماً أبعد عنا كما هي الآن. ويأتي هذا الكلام في إطار إيجاد أي مبدأ عام وواسع، يمكّننا من الحديث والعمل من خلاله، لتحسين شروطنا كأفراد مسحوقين في هذه اللحظة. قسماً بكل ما يمكن القسم به، أن تفعيل مبدأ العيب فقط، كافي لتحسين الوضع الحالي الذي نرزح تحته. لم يعد من مجال للحلم في هذه البلاد، ولا داعي للحلم أصلاً، لكن فعلاً عيب. هذه هي الحقيقة المقرفة، أن وضعنا الحالي سيء لدرجة، أن مجرد تفعيل مبدأ "يا عيب الشوم"، ولو رمينا بكل القيم الإنسانية العظيمة والحقوق والحريات البشرية المقدسة، كافي فعلاً لتشكيل ثورة وتغيير جذري في علاقاتنا مع الدولة ومع بعضنا البعض.

أمثلة: من العيب، ومن العيب فقط، أن يترأس المجلس التشريعي في هذه البلاد وزير داخلية سابق كان مسؤولاً عن قمع مظاهرات ٢٤ اذار (واحد). ومن العيب أن يقر المجلس التشريعي قوانين تؤدي إلى إسقاط الإعلام المستقل (ثنين). ومن العيب ضرب أهالي الأسرى (ثلاثة)، ومن العيب ضربهم مراراً (أربعة)، من العيب والمشين بكل المقاييس الممكن وغير الممكن تخيلها تزويج الفتاة القاصر لمغتصبها (خمسة يخي خمسة)، ومن العيب وضع ذلك في إطار الشرف (قد تطول هذه اللائحة)، من العيب التمييز ضد أبناء المرأة الأردنية (سبعة؟)، من العيب بيع الخبز بسعر أغلى للعامل المصري الذي بنى عمان (ثمانية)، وبيعه بسعر مخفّض لسكان دابوق (تسعة). من العيب تسليط الدرك لضرب اليتيم (عشرة)، ومن العيب ضربه في رمضان (حدعش)، والأهم من ذلك، من العيب الشديد والفعل المشين، تهديد أبناء البلد المضربين عن الطعام في سجون الاحتلال بجنسياتهم (ضروري نعد؟). من العيب أن يتأجج النفس الطائفي في بلد لا طوائف فيه، ومن العيب أن يمثلنا نواب يحضرون جلسات التشريع بمسدساتهم، وهكذا...

ويا ريت، يا ريت، جد يا ريت البلد ماشية على نظام كامل يحكمه الشعور بالعيب أو العار. يا ريت.

على كل حال، وفي هذه الظروف والنكسة والنكبة والردة على كل ما يمكن أن يسمى إصلاحاً، علينا أن نرى بعض الكوميديا في هذا الظلام، كوميدية سوداء طبعاً، لكن هذا اللي أجاك:

١. تعجز القوى المطالبة بمقاطعة دولة إسرائيل عن صياغة موقف واضح يطالب الدولة الأردنية بالتحرك من أجل الأسرى المضربين عن الطعام لليوم ال ٥٤. (وهذه ليست صدفة، إذ أن هكذا مطالبة تضع هذه القوى في موقف من يطالب بالتطبيع، وفي ذلك تناقض. وإن هم غضوا البصر والسمع، فهم يتركون الأسرى وحدهم، لكنهم في ذات هذا الموقف معايير مزدوجة عند المقارنة مع موقفهم من الأسرى الفلسطينيين). مضحك فعلاً هذا الموقف الذي تخلقه الحركات المبنية على برامج من نقطة وحيدة دون نظرة عميقة وشاملة للوضع الراهن. موقف يجعل أكثر من يمتلك وجهة نظر صلبة (لكن هشة) من دولة إسرائيل، يصمت عند الحديث عن الأسرى الأردنيين المضربين عن الطعام في سجونها.

٢. في حين يدعي رئيس الوزراء أن الموقع الإخبارية هي نفسها طالبت بإقرار قانون المطبوعات والمنشورات الحالي، (الذي تسبب حتى الآن بحجب ٣٠٠ موقع إخباري أردني)، فإنه من الصعب التأكد من هذا الإدعاء، إذ أن كل من يخالف هذا الرأي محجوب عن الشبكة أصلاً.

٣. في نفس الوقت الذي تتغنى فيه منابر الدولة الساقطة بقوة الدرك والأجهزة الأمنية، يعتدي الدرك على أهالي الأسرى المضربين عن الطعام في سجون الاحتلال، ومعظمهم طاعنون في السن. وهذا ليس الإنجاز الأقوى لهذا الجهاز السافل، بل أن إنجازه المهم هو الاعتداء على اعتصام الأيتام في العام المنصرم. عند ربط اعتداء الدرك على الأيتام والكبار في السن، تبدو الأغاني الدركية وأنغام فقء العين مضحكة فعلاً. هناك في هذا العالم، من يتغنى بقوته وقدرته على ضرب اليتيم والعجوز.


٤. في حين بدأ المواطنون الأردنيون التوجه إلى استخدام الطاقة المتجددة لتوليد الكهرباء، ما زالت الدولة تتدارس إنشاء مفاعل نووي. المضحك أن المفاعل النووي سيستهلك كميات مهولة من الماء. ولا يبدو هذا غريباً على الإطلاق في ثاني أفقر دولة بالموارد المائية، إذ أننا نزرع البندورة ونبيعها بأسعار تفضيلية لإسرائيل، التي لا تزرعها إذ تفضل عدم هدر مواردها المائية، التي تخلينا لها عنها في اتفاقية وادي عربة.

٥. نقيب ونقابة الصحفيين تتخذ مواقف ضد حرية الصحافة.

٦. عجز الاخوان المسلمون عن تأليف هتاف أو شعار واحد منذ بدء الربيع العربي. لم تكن النكتة في أن الناشطين في مظاهرات الحسيني لاحظوا منذ بدء الحراك أن الإسلاميين يأتون أسبوعياً بهتافات الناشطين من الأسبوع الماضي، إلا أن الاخوان المسلمين خرجوا هاتفين قبل أيام "حرية من الله، غصب عنك حزب الله". (وهذه ليست صدفة، إن عدو الغناء والرقص والفرح والنكتة والسمر والسهر والفرح والفن، لن يتمكن أبداً من الابداع والخلق)

٧. ومن أهم النكات الموجودة حولنا، حالة الفرح والابتهاج والسعادة والتفاؤل التي تعم كافة الساديين المؤيدين للمجرم والسفاح بشار الأسد، فعلياً، هم سعداء على بقاء وريث عرش المملكة السورية على عرشه، بغض النظر عن تدمير الزراعة السورية في مجملها، وما يزيد عن ١٠% من مباني البلاد، وقتل ما يقرب من ١٠٠،٠٠٠ إنسان، عداك عن المفقودين والمسجونين والمعذبين في أقبية الظلام البعثي. الرائع هنا أن هنالك من يفرح، وهو يفرح صادقاً، لدمار البلاد التي يدعي أنه يخاف عليها.

٨. تعجز الدولة الأردنية عن توفير مال كافي لتسيير المركز المخابراتي المخصص لتزوير وضع حقوق الإنسان في الأردن. وتلجأ إلى محاولات ساذجة لسرقة أو تحويل اتجاه الأموال الأجنبية الموجهة لدعم المراكز الحقوقية المستقلة. واحد بده يكذب ويزور، بس مش عارف، فبروح يسرق، بس مش عارف يسرق، عشان يدفع حق التزوير والكذب اللي مش عارف يسويه.

٩. عجزت معظم قوى اليسار الأردني، عن تبني موقف واحد من الأزمة السورية دون تأييد الدكتاتورية، وعجز المنتدى الاجتماعي الأردني عن إصدار بيان واحد وحيد ضد منتدى دافوس (وهذا الغرض من تشكيل المنتدى)، وعجز مراكسيو المنطقة عن تفسير الثورة السورية ولجأوا إلى تخوينها (تخيلوا الماركسية المناهضة للثورة)، يعجز إسلاميو الأردن عن الوقوف مع حكم الخلع لصالح المرأة (وهو حكم ديني شرعي)، وعجزت الحراكات الأردنية قاطبةً عن إختراق الشارع الأردني (وهو الغرض من وجود حركات غير مؤدلجة يسهل تماهيها مع الشارع)، وهكذا...

١٠. في حين يسوّق النظام الأردني نفسه كنظام منفتح ليبرالي، إلا أنه يحاكم عسكرياً من يخالفه، ويحجب مواقع الإنترنت، كما في إيران تماماً.

١١. بعض مؤيدي بشار، فرحوا بالعرس الديمقراطي في إيران.

١٢. هنالك صفحة على فيسبوك لعشاق السفير السوري بهجت سليمان في الأردن. روح يخي.

١٣. الاعتصام الذي جمع البعث والبلطجية وحركيين أمام السفارة العراقية في عمان.

شخصياً، أنا أرى في معظم ما ذكر مواد هزلية ساخرة، طرائف وكوميدية قوية وسلسة وغير مبالغ بها. مواقف وأحداث تبعث على الضحك. وفيها من العبقرية ما عجزت هوليود عن الاقتراب منه في أحسن أعمالها السينمائية، برنارد شو كان ليسخر قلمه للتدوين بدلاً من التأليف لو أنه كان أردنياً.

المهم، ولست ساخراً في هذا، كل هذا الكلام والسقوط، لم يرم بنا في حضن السخرية والعبث واللعب والتفكيك والهزل. لقد تسبّب هذا كله في رمينا في العدمية وفقدان الأمل والقنوط. وأدعي حقاً، أن كلاً منا، إذا ما ترك مخاوفه وكسله جانباً، لديه الكثير لفعله. إن حصار الذات والأمل والنفس، في منهل العدمية السلبي لن يجعلنا في وضع أسوأ بكثير في الأشهر القادمة فحسب، لكنه سيودي بنا إلى موت ما تبقى من روح الدعابة والهبل والمقاومة. بكل صدق، إن كل نكتة نضال، وكل تعليق ساخر مقاومة، صحيح أن لا أفق ولا أمل ولا احتمال أفق أو أمل يظهر في نهاية المطاف، إلا ان الروح العدمية مكلفة أكثر بكثير من روح السخرية. لدى كل منا الخيار في رؤية الحال على شكل مسرحية رائعة أخّاذة، أو قبر جماعي يحوينا جميعاً، في النهاية، إن الحراك والنشاط والعمل الفاقد للروح الساخرة والتفكيكية لن يأتينا بجديد، بل سيجعلنا نتماهى مع النظام أو الاخوان المسلمين أو السلفيين. إن الطريقة المثلى للتعامل مع الحال تكمن في سؤال "ما هو المضحك في هذا الموقف؟ هل يمكنني اللعب على هذه النقطة؟ كيف؟". لم يعد هناك من تسلية في الموقف العدمي. لم يعد موقفاً مميزاً أو جديداً.

وفي النهاية، فإن الروح العدمية "is so 2012"، جد بحكي.

Thursday, May 23, 2013

شكراً واشنطن بوست



في دراسةٍ أطلقتها صحيفة واشنطن بوست قبل نحو الأسبوع، اعتبرت الصحيفة الأمريكية التافهة والسطحية والشاذّة، أن الشعب الأردني هو ثاني أكثر شعوب العالم عنصرية. معروف، صحيفة مستشرقة ساقطة. العديد من الأصدقاء حولي اعتبروا التقرير مسيئاً ومبالغاً فيه، كيف تقول الصحيفة هذا الكلام، كيف استطاعت قياس العنصرية؟ يا زلمة الأجانب حمير شو فهمهم. 





لكن له له يخي، قام شعبنا العظيم منتفضاً، ليثبت كلام الصحيفة في أول فرصة. 

لا داعي لإعادة اجترار أحداث الأسبوع الماضي، لكنها تستوقفنا في بعض لحظاتها من ناحية محددة، هل نحن عنصريون؟ وضد من؟

أولاً، شعبنا "العظيم" و"الطيب" يحمل الكثير من المشاعر العنصرية ضد العراقيين، وعلى الرغم من كون الشعب العراقي شعباً شقيقاً عانى الأمرّين في العقدين الماضيين، وعلى الرغم من التنوير الذي انسابت أشعته من العراق وملأت باقي "الوطن" العربي، منذ ١٥٠ للهجرة حتى العقد الماضي من الزمن، في مؤلفات هادي العلوي وشعر السياب ومظفر وغيرهم، وعلى الرغم أن العراق علّمنا حروفنا ولغتنا عبر التاريخ، ودرّس الآلاف من أبنائنا في القرن الماضي، إلا أننا نضع هذا جانباً بلا تلكؤ كي نظهر عنصريتنا التي ندلي بها جهاراً ونستلذ بها وننتشي. يذهب رجال البعث الصدّامي سابقاً، كي يقتحموا غير مدعوين، فعالية لإحياء ذكرى اكتشاف قبور جماعية رصّ فيها صدام (كدت أقول الأسد)، مئات إن لم يكن آلاف المواطنين العراقيين، ذهب رجال البعث وأبطاله هناك كي يهتفوا بإسم الجلاد والبلطجي، حجاج القرن العشرين، مجرم ليس مثله مجرم، وسفاح وصل صيته أقاصي الأرض لما هو عليه من بطش وقمع، ولما مارسه من إعدامات جماعية تقشعر لها الأبدان.

لكن نحن أقوى من ذلك، نحن نحتفي بهذا الجزار، وهذا حق لمن يتماهى مع أصنامه. لكننا نريد أن نحتفي به أمام الضحية، ورغماً عن أنفها، وما المشكلة إن كان أهالي الضحايا هناك، لا مشكلة على الإطلاق، لنذهب ونهتف لصدام كي يتذكروا جيداً المآسي التي حلت بهم. ما حدث في المركز الثقافي الملكي من إعتداء على أبناء الوطن عادي جداً ومبرر، ولا يعدو كونه مشاجرة من الممكن أن تحدث في أي قهوة أو بار، ليست حادثة عظيمة، واحد راح يزقف لصدام قدام أهالي مقتولين، انقتل وروح. هل كان من المفروض أن يسكت أهالي الضحايا؟ أو أن يرموا رجال صدام بالورود والقبلات؟

 لكن لنفكر بالنقطة هذه، لو كان هؤلاء الذين ذهبوا إلى المركز، أبناء الوطن ورجاله، أكثر عدداً وأشد بأساً من الحضور وحرس السفارة، ماذا كانوا سيفعلون؟ ماذا لو حكموا البلد؟ هل سيبقى أحدٌ منا خارج معسكرات الاعتقال أو أقبية التعذيب؟ علينا أن نغيّر طريقة تعاملنا مع حقوق الإنسان، إن من لا يؤمن بحقٍ ما للآخرين، لا يجوز أن يوفره الأخرون له، ببساطة.

ونحن عنصريون فعلياً ضد العراقيين، كم من مجلسٍ في هذه البلاد، يُنعت فيه العراقيون ب-"أهل الشقق والنفاق" يومياً؟ وهذه مسبّة ذليلة ووضيعة، يقتبس فيها المواطن "الطيب" الجزار الحجاج بن يوسف الثقفي. الحجاج الذي يقتبسه المواطن البسيط قتل ما بين مئة ومئة وعشرين ألفاً من العراقيين في عشرين سنة من حكمه (هادي العلوي، من تاريخ التعذيب في الإسلام، صفحة ٩٩). أي قتل الحجاج ما يقرب من ١٤ عراقياً في كل يوم من أيام حكمه، (أي ما يزيد عن قتلى نكازاكي بسبب القنبلة الذرية) ويصر المواطن الأردني على اقتباسه عند وصف شعب كامل. أليست هذه عنصرية؟ هي عنصرية لأن الجملة تحتوي معنى خفياً، وهو أن الديمقراطية والحريات لا تليق بالشعب العراقي، شعب الشقاق والنفاق.

يخي هي الديمقراطية والحرية بتلبقلنا احنا وبس، حرية الطخ في الجامعات وديمقراطية التنكيل بالمواطنين. حرية وديمقراطية تليق بنا نحن المرضى والعنصريون.

ثانياً: النفايات التي يرمينا بها الإعلام المحلي.

محطات وإذاعات البلد، في معظمها، ولا استثني منها هنا سوى عمان نت وراديو البلد، تصب في آذاننا يومياً "أغانٍ وطنية" ليست أغاني وطنية حقاً. إن السمة الغالبة في هذه النفايات هي العداء للآخر والتحريض على العنف والكراهية له، هذه الأغاني غير قادرة في معظمها على تعزيز الشعور "الوطني" (مهما كان معنى ذلك) دون آخر مضاد عدو، وتصوّر الكثير من هذه الأغاني لحظة انقضاضنا على هذا العدو والعنف الذي سنمارسه ضده. هذا هو الخطاب الذي يُبث للمواطنين يومياً على مدار الساعة، ولو كان المواطن الأردني أكثر وعياً من أي مواطن في العالم، فهو سيتأثر بهذا الخطاب لا محالة.

لكن أياً من هذه الأغاني لا يوضح من هو هذا العدو. هو "آخرٌ" ما يريد تهديدنا وإقصاءنا، هي أغانٍ تمثل نموذجاً صالحاً للإستخدام ضد أي آخر وليس آخراً محدداً. فهي صالحة ضد العراقيين أو السوريين أو الناشطين السياسيين أو فقط المختلفين معنا أو عنا. لكن لنفكر قليلاً بهذا الآخر، هل من الممكن أن يكون هذا الآخر الذي سنفقأ عينيه (وفي هذا تمثيل وتعذيب نهى عنه الرسول، لكن لا يهم) هو الجندي الإسرائيلي؟ أو المستعمر الأمريكي الذي ينهب ما ينهب بلا تردد ولا حياء؟ هل من الممكن أن يكون هذا الآخر الذي سنطقطق عظامه من دول العالم الأول؟ لا طبعاً، هو الآخر الضعيف أو الفقير، هو حامل جواز السفر الغزاوي، أو غير الحامل لأي جواز، أو اللاجئ من صراع  الطوائف في العراق، أو الهارب من بطش الجزار الأسد. هذا هو الآخر الذي نستقوي عليه ونهدده علانية ليل نهار على مرأى ومسمع منه. وفي نفس الوقت، تملأ أصوات "welcome to jordan" وسط البلد مهللة للرجل الأبيض. نحن عنصريون ضد أنفسنا إذا ما لوّح السائح بدولار. 

الأسوأ، أن قناة تلفزيونية، كنورمينا، لم تتردد في الإنقضاض على الفرصة، وضعت القناة مذيعة ترتدي شماغاً وطنياً، صُنع في الصين على الأغلب، وجلست أمام عشرات إن لم يكن مئات الألاف من المواطنين، تحرض على العنف والكراهية، والاقتصاص من الآخر (كان هذه المرة الآخر عراقياً)، والاستداد لما أصاب الكرامة الوطنية من مكروه وجراح. باتت حادثة المركز الثقافي بالنسبة للإعلام والمجتمع الأردني رمزاً للكرامة الوطنية. لم يكن رمز الكرامة الوطنية فساد الكردي أو فساد رؤساء المخابرات أو قضية الكازينو أو أننا نشحد قوت يومنا من الأمريكان والخليج، لا هذه بعيدة عن الكرامة، الكرامة تتلخص بالآخر الضعيف، لأن لا كرامة لنا أمام البترودولار أو حذاء العم سام. لا أحد يطالب بأن نثور لكرامتنا ضد الأمريكان (إذ أنهم أسياد الكوكب والزمان)، لكن من غير المعقول أن يكون علاج الأنا العليا خاصتنا هو المستضعف على الدوام.

لا بد من التوضيح، أن الإعلام الرسمي يتخذ من هذه السياسة منهجاً دائماً، فالصحف الرسمية توظف كتاباً عنصريين علانية وبلا مواربة، كتاب مثل ناهض حتر يحرضون بشكل منهجي ويومي ضد المواطنين من أصل فلسطيني. فهد الفانك يطالب علانية بإغلاق الحدود في وجه من يأتون هرباً من ما بات حرباً أهلية طائفية في سورية، ولا مانع لديه أن يموتوا هناك إذ أنهم لا يأتون بأشوال من الدولارات كما العراقيين (هذا ما كتبه حقاً، لا أبالغ). عبد الهادي راجي المجالي، وهو أيضاً مدير مركز الحسين الثقافي،  (لاحظ سياسة الدولة الأردنية في وضع الرجل المناسب في المكان المناسب) يصف في أحد مقالاته كيف ضرب العامل الوافد بمنفضة سجائر لأنه غيّر قناة التلفاز في المقهى، وفي مقال آخر يضع كل الأقليات في مشهد واحد ويهاجمها جميعاً كما لو كنا نعيش في ألمانيا نازية. الإعلام الرسمي أيضاً عنصري.


ثالثاً: ليس من المعقول، في رب القرن واحد والعشرين، أن تنقص منهجنا مواد للتربية المدنية والأخلاق. ليس من المعقول أننا نحشو أذهان أطفالنا بتربية "وطنية" تعلّمهم عن تفوقنا التلقائي على الآخرين على الرغم من أننا بعيدون كل البعد عن أي نوع من أنواع التفوق على أي أحد. ليس ذلك فحسب، بل أن أساتذة جامعات، كالطائفي وضيق الأفق أمجد قورشا، مسؤولون عن تدريس المئات والألاف من الطلبة سنوياً، يصرحون علانية بمواقف طائفية متخلفة ضد الشيعة. إن الدولة الرومانية، على علّاتها، كانت أكثر مدنية وأقل عنصرية من الدولة الأردنية الآن.

لقد تمّت تربيتنا على العنصرية ورفض الاختلاف، لدرجة أن طلاب في جامعة أردنية، تعرضوا (واحد) للضرب المبرح على أيادي زملائهم لأنهم يرتدون ملابس مختلفة، أو يستمعون لأغانٍ مختلفة عن أغاني الفقء والتنكيل والتعذيب. لأنهم (اثنان) عبدة شياطين! وبعد ذلك تم تسليمهم للأجهزة الأمنية (ثلاثة D:)! وتمت محاكمة الضحايا في محكمة أمن الدولة (ياااي، أربعة، هيييه)! هذا الكلام حقيقي، ليس خيالاً، هكذا نتعامل مع التعليم، هذا هو التعليم في البلاد، المجتمع الأردني يحاكم الضحية ويكافئ الجلاد (لا يمكن أن ننسى أبداً، مهما طال العمر بنا، أننا وفي حياتنا هذه، زوّجنا المغتصبة لمغتصبها بموافقة القانون والمجتمع (خمسة بعين اللي ما يصلّي على النبي)، هذا نحن، هذا بالتحديد نحن).

لقد باتت لدينا القدرة أن نكره عنصرياً فئات اجتماعية غير موجودة حولنا حتى، لدينا القدرة على الهتاف ضد الشيعة أمام السفارة العراقية مثلاً. لقد استمتعت بزجاجة من البيرة وأنا أراقب مع أصدقاء إعتصام السفارة العراقية عن بعد (ليس خوفاً من الإعتصام، لكن خوفاً من زيادة عدد المعتصمين)، هتف المشاركون هتافاتٍ مهينة للشيعة على الرغم من عدم وجود شيعة في البلاد! تم التنكيل بعبدة الشياطين على الرغم من عدم وجودهم! بتنا نستطيع أن نخترع آخراً كي نكرهه، هذا نحن، نعم، نحن ثاني أكثر شعب عنصري في العالم، شكراً لواشنطن بوست التي تفهمنا أكثر منا.

حتى رئيس وزرائنا الفذ التقى لجنة مكافحة التشيّع في الأردن بدون ما يكون في شيعة في البلد! احنا كثير قريبين من القاع.

شو يعني كرامة المواطن الأردني؟ ألا يصب في هذا التعريف ٢٥ أسيراً أردنياً ما زالوا مضربين عن الطعام في سجون الإحتلال الإسرائيلي لليوم الثاني والعشرين على التوالي؟ هل من المعقول أن الإعلام الرسمي والبديل يتجاهلون هكذا قضية ولا يتركون فرصة التحريض على الأقلية العراقية تفلت منهم. أليس من الأولى صون كرامة الإنسان الأردني بعيداً عن المحاكمات العسكرية؟ تباً لهكذا كرامة.

الحقيقة المرّة هي أنه لا وجود لكرامة المواطن، لا وجود لها في المخافر الأردنية، ولا وجود لها في حالة المعتقلين الأردنيين خارج البلاد، ولا وجود لها لأسرنا، لا وجود لها في طوابير المعونات الاجتماعية، حيث جعلت الدولة لنفسها شعباً يمد يده يستجدي قوته، لا وجود لها في الدرك الذي يكسر عظام المتظاهرين، لا وجود لكرامة المواطن. هنالك فقط كرامة السلطة وبطشها.

شكراً لكم واشنطن بوست، أنتم أفضل أصدقائنا.





Monday, May 13, 2013

عن وضع الحريات في الأردن



قال أحد الأباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية، العلّامة بنجامين فرانكلين، أن أولئك الذين يتخلون طوعاً عن حرياتهم الأساسية، للحفاظ على أمنهم المؤقت، لا يستحقون حرياتهم ولا أمنهم وسيخسرونهما على السواء. وهذه في مكانها هنا، وإنني لا أستغرب البتة أن هذه الجملة لم يقلها زعيم عربي كعبد الناصر (إذ كان متفرغاً في معظم الوقت لإدارة مشروعه الشمولي بما في ذلك الإعتقالات السياسية والتعذيب، راجع كتاب "سنة أولى سجن" لمصطفى أمين مثلاً، إضافة إلى المشاريع الأخرى كخسارة الحروب التي لا يقدر على التلويح بخوضها والإيعاز بالإغتيالات السياسية). ولا يثير صدمة أحد أن هذه الجملة لم يقلها أنطوان سعادة أو ميشيل عفلق، إذ أن كلاهما، بسقوطهما الأخلاقي والفكري، لم يجدا من ضرورة في الحرية، إذ أنهما انشغلا بنسخ التفاصيل التنظيمية والأسس الفكرية التي قامت عليها فاشيات أوروبا، وفي مهم وفي أهم. لم يقل هذه الجملة قائد عمالي محلي، أو مناضل فلسطيني (ولا بد أن نتذكر، أنه لو اختفت إسرائيل اليوم، فإن الشعب الفلسطيني سيغرق في حرب أهلية أو فصائلية لا مخرج منها، من أجل السلطة، من أجل المزيد من تقييد الحرية، اللهم حرباً قصيرة كي يقترع الشعب بقوة الذراع والسلاح، أي ظلم وكبت وإضطهاد يريد، حماس ستايل أم فتح، هل يريد الظلم بنكهة إسلامية أم نكهة شبه علمانية؟). لكن على كل حال وصلنا الحديث المسند للأب بنجامين، وها نحن هنا.

لا وجود، ولا إمكانية لوجود، الأردن أو أي بلد آخر، بمعزل عن باقي العالم. وهذا الكوكب التعيس، كما نعلم جميعاً، مليء بالأخطار والمطبات والعهر العالمي. فعلياً، إن الدول الوحيدة المعزولة عن العالم هي دول خارج التاريخ حتماً، ككوريا الشمالية مثلاً. ولا بد لنا هنا أن نتغاضى عن الرأي المتهافت والساقط القائل بأن دولاً ككوريا الشمالية هي مشاريع ناجحة بأي نوع من أنواع المعايير. عدا ذلك، فإن كل دول العالم تمر بأزمات، هنالك دوماً خطر ما خارجي أو ظروف حساسة أو مش وقته أو ما شابه. وهذا الخطاب، خطاب السلطة والمحافظين، يدفع دوماً بإتجاه الحفاظ على كل شيء على ما هو عليه، لأن القادم محفوف بالمخاطر، أو لأن الوقت لم يحن بعد، أو لأن العالم يمر بمرحلة حسّاسة، أو لأن المنطقة مش مستحملة، أو، أو لأن الحقيقة المرّة، هي أن أصحاب الجبروت والمال والجاه، سيصطفون دوماً مع المحافظة على مكتسباتهم. لا يوجد نظام في العالم، مهما كان كيوت ومنيح، مستعد للتقدم أو التغيير أو منح الهبات الحقوقية مجاناً. كل الأنظمة، في كل العالم، هي نتاج ظروف تاريخية سابقة زمنياً، والأنظمة والبنى تميل دوماً بإتجاه الظروف هذه، إذ أنها الظروف التي شكّلت ضرورة نشأتها، لا ظروف مستقبلية تحرمها من سلطتها على الفرد

هذه الظروف، هي تحديداً الظروف التي لا بد لنا من العمل في ظلها لتعزيز قوة الفرد على حساب المؤسسة. هذه هي الظروف، التي لا بد للفرد فيها أن يساهم، إلى جانب باقي الظروف الموضوعية الحساسة، في تقويض المزيد من سلطة السلطة وجبروت النظام، بإتجاه الذهاب إلى شكل جديد لعلاقة السلطة بالفرد، شكل ليبرالي بحت على المستوين الحقوقي والحرياتي. علينا أن نصل، من خلال كل أزمة وإعتقال وحادثة وصراع، إلى مربع جديد، مربع يزيد من تفضيل الحرية الفردية على حساب الدولة والمجتمع. إن العمل في هذا الإتجاه، مهما كانت الظروف، هو الضامن الوحيد لتحصيل مستوى جديد من الحرية الشخصية والحقوق الفردية، لا على صعيد النص القانوني القاصر فقط، لكن على صعيد الثقافة العامة والشعبية، على صعيد العُرف، لا بد لنا من أن نُدخل الحرية والحقوق الفردية كمكوّن أساسي لا في الدستور فحسب، بل في ثقافة الإعلام ومطعم الحمص وسرفيس جبل عمان.

إن الفرد، بحكم تعريف الأخلاق، ليس مجبراً ولا مطالباً بأن يتصرف بشكل أخلاقي مع الأنظمة والمؤسسات والشركات. الأخلاق شكل من الإلتزام الناتج عن ضرورة أو عقد إجتماعي أو طبيعة بشرية، لا يهم، لكنها بالتأكيد صيغة للتعامل مع الفرد الآخر، وليس المؤسسة أو الشركة أو النظام. ولذلك، فإن الإستقواء بالغرب على العقل الأمني الأردني ليست خيانة، أو مثلاً الإنقضاض على الدولة/النظام/المجتمع في الظروف الحساسة من أجل تحسين شروط الفرد هو عبادة بحد ذاتها.

وعلى الصعيد الحقوقي والحرياتي فإن القضايا التي نواجهها الآن في الأردن:
(طبعاً هذا لا يشمل النواحي الإقتصادية، ولهذه نص لاحق مستقل)

٠،٥. وقبل البدء، لا بد من التنويه لضرورة إعادة هيكلة جهاز المخابرات العامة والأجهزة الأمنية جميعاً بما يشمل ذلك تحديد الإختصاصات وإعادة تأهيل الكوادر نحو أسلوب عمل يضع حقوق الإنسان فوق أي إعتبار سياسي أو أمني مهما كانت الظروف. بدون هكذا إعادة هيكلة وتأهيل، لن نتمكن من تحويل البلاد إلى وطن بكل ما تعنيه الكلمة، بدون ذلك لا معنى لأي مسيرة، إذ أن النكسة قادمة دوماً لا محالة. هنالك ضرورة لإعادة هيكلة الدولة الأردنية إذا ما أردنا أن نخلق أي نوع من أنواع التقدم والخلاص.


١. التعذيب، لا زالت الأجهزة الأمنية الأردنية تتعامل مع الفرد وكأنه من ممتلكات النظام. وبالتالي، تتصرف الأجهزة غالباً بطريقة لا تراعي أن الإنسان أو المواطن، هو كائن قابل للكسر والتشويه، بل مجرد شيء ما لا قيمة له. ممارسة التعذيب لا تحصل على المستوى علاقات الأردن العالمية فقط (طبعاً كلنا نعرف التاريخ القريب الجميل، عندما كانت الولايات المتحدة ترسل أولاك الذين اختطفتهم من حول العالم إلى الأردن ومصر وسورية -نعم سورية- كي يتم إنتزاع اعترافاتهم بكل لباقة). تتم ممارسة التعذيب أيضاً على مستوى المخافر، (خلع أذن أحد متظاهري تشرين الماضي)، وعلى مستوى الشارع، (عشرات أفراد الشرطة يعتدون على احدهم بأدوات شواء حادة صلبة السنة الماضية). ناهيك عن قتل موقوف مؤخراً في جهاز مكافحة المخدرات للإشتباه في تعاطيه مادة الحشيش. المهم هنا، هو أن الشرطة لم تجد مانعاً من إستخدام العنف ضد المدنيين العزّل، على العلن وفي الملأ في معظم الأحيان، إن ثقافة حقوق الإنسان لم تصل بعد إلى داخل الأجهزة الأمنية. هم لا يعرفون، هم يجهلون معنى كرامة الإنسان لدرجة القيام بهذا كله في الملأ وأمام الكاميرات. لأنهم ببساطة اعتادوا على أن الفرد، طالما أنه ليس ثرياً أو ذا نفوذ، هو مجرد لا شيء لا مانع لديهم من تأديبه أو تعذيبه أو تقويمه أو تربيته، لأن هذا هو دور الأجهزة الأمنية الذي أصبح معياراً في البلاد. على كل حال، إن كنتم ترغبون بمعرفة المزيد عن فقء عيون المعتقلين أو تكسير عظام المتظاهرين، يمكنكم معرفة آخر انتهاكات حقوق الإنسان من قبل الدولة من خلال هيومان رايتس ووتش أو امنستي وهذا متوفر باللغة العربية على مواقعهم.

٢. تجنيس أبناء وأزواج الأردنيات، إذ لا يعقل، وبغض النظر عن أي نوع من الظروف أو المخاوف، أن تحرم المرأة والأم الأردنية من ممارسة حقها في بلدها وتوريث جنسيتها مهما كانت النتائج. لا يجوز، في هذا الزمان وبعد كل ما كتب وقيل عبر التاريخ، أن تمارس مؤسسة الدولة، أو أي مؤسسة، أي نوع من أنواع التمييز السلبي ضد المرأة حتى ولو كانت البشرية على حافة الإنقراض التام. إن أصواتاً أردنية اليوم، تنادي بحرمان المرأة الأردنية من حق أساسي وشرط مركزي للمواطنة، وهو الحق في البلاد التي من المفترض أنها للجميع. وقد حان الوقت منذ زمن بعيد، لإسقاط الحجة التي تجابه تجنيس أبناء الأردنيات بالتجنيس غير القانوني لغيرهن. إن حرمان الأردنيات من توريث جنسيتهن لا يرتقي، وهو في إطار النفي المعنوي والإسقاط الجزئي للجنسية عنهن، لأي نوع من أنواع التجنيس غير القانوني (وهو في إطار السرقة، لكن هذا لا يقرب حتى من حرمان التجنيس الذي يقع في وزن النفي من البلاد)، ولا يمكن مجابهة هذا بذاك. إن تمييزاً ضد امرأة واحدة في هذا المجال، هو إغتيال وقتل لمفهومي المساواة والمواطنة. لا يجوز أن يدور هكذا نقاش عن هكذا موضوع، لا يوجد أي داعي لإثبات الحقيقة البشرية القائلة بحق المرأة/الإنسان في العدالة. 

٣. الحق المطلق والمقدس في التعبير عن الرأي: وهذا لا بد له أن يشمل الحق والحرية في التعبير عن أي رأي بما في ذلك ما يتعلق بالنظام ورأس النظام والله والدين والرسل ورؤساء المخابرات الحاليين والسابقين واللاحقين ومتهمي الفساد ورجال الدولة الكبار والأجهزة الأمنية كافة وممارساتها جميعاً، إضافةً إلى الحق في التعبير عن الرأي فيما يشمل المال العام والسياسة العامة للدولة مهما كان الأمر أو الوضع حساساً وحتى في حالة الحرب، إضافةً إلى اشتماله على كافة وسائل التعبير  بما في ذلك الفردي والجماعي في التظاهر والإعتصام والإعتصام المفتوح. إن الدولة الأردنية لا زالت تفضل تكميم الأفواه بدلاً من ضمان حرية التعبير عن الرأي بشكل مقدس لا يقبل المساومة. إن على الدولة الأردنية ضمان هذا الحق لكل الأفراد على حسابها، أي بما يشمل حماية أصحاب الرأي من الإعتداء والملاحقة والضغوط التي تمارسها أجهزة الدولة أو المجتمع على السواء. 

٤. الحقوق الفردية أو الفردانية: ويشمل ذلك كل ما يفعله الفرد طالما أنه لا يؤذي الآخرين ولا يحد من حرياتهم، وفي أعلى القائمة، حقوق المثليين جنسياً وحق المرأة في الإجهاض (كبديل عن تزويج القاصر لمغتصبها كما يحدث اليوم في الأردن)، والحق المضمون والمقدس في خوض نمط حياة خاص مهما كان هذا النمط. على الدولة الأردنية أن تسخّر جزءًا من مصاريفها لضمان حقوق الأفراد ضد المجاميع (ولعلها تود تقليل نفقات التنصت على هواتف الأردنيين كي تأتي بالمال) مهما كانت طبيعة نمط حياتهم ومهما تعارض هذا النمط مع كل كتب الميثولوجيا التي يود البعض احترامها.

٥. الحق الجماعي في العمل والتنظيم والحشد والتبليغ والإعلام لأي هدف أو غاية سلمية كانت، بما يشمل ذلك تغيير الدستور أو النظام أو العقد الإجتماعي الساري حالياً. إذ لا يعقل أن يكون العقد الإجتماعي الحالي غير قابلاً للنقد أو النقض بالرغم من عدم مشاركة أي انسان حي في التصويت عليه أو الموافقة على مضمونه. لا يعقل أن يظل الإنسان الأردني، إلى ما لا نهاية، أسيراً لإتفاق أو عقد لم يعد هناك من يتذكره أو لم يعد على قيد الحياة أياً ممن وقعه. ولطالما استخدمت الدولة الأردنية تهماً تافهة وساقطة ومثيرة للشفقة في هذا المضمار، إن "محاولة تغيير الدستور" هي من ضمن هذه التهم. إن أي مواطن غربي، على ما في الغرب من علات، قد ينفجر ضاحكاً إذا ما عرف أن محاولة تغيير الدستور قد تكون تهمة في بلدٍ ما. ولربما، ربما، يتخذ قراراً المرة القادمة بالتصويت لأولئك السياسيين الذين يتعهدون بربط مساعدات الغرب لنا بالإصلاح السياسي. 

هنالك ضرورة فائقة، الآن وليس في أي وقت مضى أو قادم، للعمل على كف يد الدولة (وأجهزتها) والمجتمع (ومجاميعه) عن الحقوق الفردية. ولربما تكون ممارسة هذه الحقوق بغض النظر عن الوضع القانوني الحالي أهم ما يمكن فعله لترسيخ قواعد وحدود اللعبة. إن النصوص القانونية لم ولن تكن يوماً ضامناً للحقوق والحريات الفردية، على العكس، فلطالما كسرتها الأنظمة الإستبدادية أو المجتمعات المتخلفة/المتأخرة على مر العصور. لا بد لنا من القيام، حتى لو لم نرغب ذلك، بكل ما يحق لنا، ينبغي علينا ممارسة هذه الحريات، حتى لو لم نرغب بها أو لا نشعر بضرورتها. 

إن لم يكن التمرد والحرية الجنّة بعينها، فهما الطريق إليها.

Saturday, May 11, 2013

عبدة الله وعبدة الشياطين




تحتجز الدولة ولمدة باتت الآن تزيد عن الشهر، أربعة طلّاب جامعيين بتهمة عبادة الشيطان. وكأي دولة عالم ثالث سحيق، لا يدرك القانونيون الأردنيون ولا رجال الأمن والأمان، ولا يتوقع منهم عكس ذلك، أن لا وجود لعبادة شياطين في العالم. الناس يا دوب عابدة الله، مش قاعدة بتدور على شياطين تعبدها. المشكلة الأعمق هنا هي أن هؤلاء الطلبة لا يمثلون أمام محكمة مدنية، بل أمام محكمة عسكرية، محكمة أمن الدولة.

يمثُل في الوقت ذاته ناشطون أردنيون أمام محكمة الظلام والتخلف بتهم مثل "محاولة تقويض نظام الحكم" و"إطالة اللسان". ولا داعي للسخرية من تهمة مثل "تطويل اللسان" مما يُذكر بخالتك دلال، لكن وجود تهمة "محاولة تقويض نظام الحكم" لشخص تكلم بكلام ما، مهما كان، تعتبر تهمة تافهة وغبية إلى أقصى الحدود. لن أستغرب أبداً إن خرج علينا مسؤولٌ أردني ليقول أن هذا الكلام مزاح، وأن الناشطين لا يقوضون النظام بأي كلام. أنا حقاً لن أتعجب إذ أن الإستغراب حقاً يجب أن يكون من كون أي كلام، مهما كان، قادراً على تقويض نظام الحكم. ما هذا النظام الذي يخاف على نفسه من التقويض بسبب كلمة. كلّي ثقة وأمل أن النظام لا يعتبر أي كلام مهدداً له، حقاً أتمنى أن يعتبر النظام نفسه أرسخ وأثبت من تهزه أي سلسلة من الكلمات أو الأصوات التي يقولها أي أحد. لأن عكس ذلك هو تراجيديا قاسية جداً، أن يحكم البلاد نظام بهذه الهشاشة. لا بد للنظام أن يتصرف بالحد الأدنى من الثقة بنفسه، مش معقول. 

محكمة أمن الدولة ليست غير دستورية فحسب، بل عسكرية وتصدر أحكاماً غير قابلة للنقد أو الاستئناف. وعلى الرغم من أن هذه المحكمة يفترض بها أن تتخصص في تهم الإرهاب والخيانة العظمى والتجسس، قرر العقل السياسي والأمني النظامي أن يمدّ في اختصاصها كي تحاكم الأفراد والمواطنين العاديين. لسببٍ ما، قرّر المركز السياسي والأمني الأردني أن يمارس أعتى أشكال القمع والإرهاب ضد سكان البلاد. طبعاً من المهم التذكير أنه وتبعاً للدستور الأردني، يعتبر التلاعب في المال العام خيانة عظمى مثلاً، لكن محكمة أمن الدولة لم تمد من سيطرتها لتحاكم فاسدين من أمثال خالد شاهين، ولم تحاول محكمة أمن الدولة توسيع اختصاصاتها كي تشمل تهم الفساد والإرتشاء ونهب المال العام. لا، قرّر عقل النظام الأردني أن يوجّه هذه المحكمة نحو الطلاب الجامعيين والناشطين.

يأتي إعتقال الطلاب الأربعة بعد أن تعرضوا للضرب والإهانة من قبل ما يزيد عن ٢٠٠ طالب في جامعتهم. هؤلاء الطلاب الذين اعتدوا على زملائهم ليسوا في أي هيئة مختصة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا لا، مجرد طلاب استخدموا القوة والعنف ضد زملائهم لأنهم يسمعون موسيقى مختلفة، أو لأن قصات شعرهم تختلف عن رؤوسهم المليئة بالجل والقرف الذين يضعونه. كان دور الجامعة هو الإمعان في إضطهاد الضحية بدلاً من التدخل لصالح الفرد والطالب والحرية الشخصية.


الأسوأ من هذا كله، هو أن موسيقى الميتال مثلاً، هي موسيقى كلاسيكية إلى أبعد الحدود، يمكننا القول أن لو فاجنر عاش معنا اليوم، كان سيكتب ويعزف نفس هذه الموسيقى إلى حد كبير. إن الموسيقى الكلاسيكية والميتال متشابهتان تماماً في الهيكلية والتناغمات المستخدمة فيهما. طبعاً يجهل مكتب عمادة شؤون الطلبة ورئاسة الجامعة ذلك، إذ أن هذه المكاتب صرفت العقود الماضية في ملاحقة الطلاب المسيسين بدلاً من البحث والقراءة والإستماع إلى موسيقى عدا موسيقى القرف والعنف على راديو الوكيل والأمن.

مكاتب المخابرات في الجامعات الأردنية والأمن الجامعي وشعب واحد لا شعبين والأمن والأمان لم ينفع الطلاب الأربعة الذين اضطهدوا بسبب الشكل والمظهر، لا بل إن إدارات الجامعات الأردنية التي تساهم في ذلك بشكل مؤسسي، هذه الإدارات لن تكون سوى مؤسسات سطحية تافهة لا تحكم بناءً على التقصي والبحث العلمي، بل على الشكل والمظهر. هذه هي الحقيقة. على كل حال، العنف الجامعي الذي يحصد أروحاً عدة كل عام مش مهم ولا يدفع بأجهزة الدولة والأمن والجامعات للتعاون فيما بينها كما أربعة طلاب فقدوا بلحظة حريتهم وتمت اهانتهم بموافقة ضمنية جامعية وأمنية. طبعاً، ماذا نتوقع من نظام لا يزال يستخدم هيئة قضائية كمحكمة أمن الدولة التي تنتمي في منطقها إلى فاشيات أوروبا الثلاثينات أو محاكم تفتيش تنتمي إلى عالم غير عالمنا.

هل هناك من داع للخوض في تفاصيل الحجج المنطقية التي أرساها برتراند رسل وروسو ورولز كي نثبت من جديد للقضاء الأردني والقانونيين المحليين أن حرية التعبير عن الرأي والعبادة والفكر من ضروريات المجتمع الصحي؟ ربما لا بد من إعادة تعليم وتأهيل للمؤسسات القضائية والقانونية الأردنية كي تتماشى مع الحد الأدنى لحقوق الإنسان، أقول إعادة تأهيل بالمعنى الحرفي للكلمة. طبعاً، إذ أن تغول المؤسسات الأمنية على الجامعات الأردنية لعقود، أدى إلى تخريج أجيال ساهمت في بناء مؤسسة قانونية وقضائية لا تمتلك الحد الأدنى من الثقافة في الفلسفة السياسية أو كلاسيكيات الحجج المنطقية التي تثبت حق الإنسان المقدس في الحرية.

ليس من الخطأ أن نذكر هنا فشل مؤسسات المجتمع المدني في التعامل مع هذه القضايا. كيف سنتوقع من الأحزاب الأردنية التي لا تمتلك أي تاريخ في تداول السلطة أو تعدد المنابر في صفوفها أن تخرج عن صمتها للدفاع عن حرية الأفراد. إن معظم الأحزاب الأردنية لا تؤمن ولا تكذب حتى في الإدعاء بأنها تقدس الحريات الفردية. كيف ستؤمن بحريات لطالما عارضتها في داخلها، وهي أحزاب اعتمدت على اللجان المركزية وتزكية قوائم الترشيح المحددة سلفاً والإنتخابات الشكلية، فقط الغباء أو سوء الملاحظة قد يجعلانا نتوقع أي تحرك إيجابي في هذا المجال من قبل مؤسسات أسوأ من النظام بكثير فيما يتعلق بالحريات والحقوق. أحزاب لن تتردد في نصب مشانق لمعارضيها لو أمسكت بالسلطة يوماً ما. (الله لا يقدّر)

هؤلاء الطلاب والناشطون هم ضحية لمجتمع متخلف متأخر فكرياً وحضارياً، مجتمع هو بحد ذاته ضحية لنظام متعجرف وقلق، سادي وفاشي وفاسد، وإن حاولنا أن نجد تحسناً في أداء النظام الإصلاحي في السنتين الماضيتين، فإننا نجد صفراً قاسياً يحدق بنا، لا شيء، لا إصلاح ولا زفت. لا يملك المرء شيئاً سوى أن يدعو هؤلاء الطلاب والناشطين إلى الهجرة. إن هذه الملفات القانونية القائمة ضدكم قد تساعدكم في قبول طلبات هجرتكم في الكثير من السفارات، إذ أن الرجل الأبيض، مهما كان سافلاً، يظل أعمق وأكثر إنسانيةً من أنظمة تحاكم المواطن أمام محكمة عسكر هندستها المخابرات. يظل الغرب الكافر أفضل من عبدة الله هنا، وتظل الغربة أفضل من الوطن الجائر.


لا داعي لأن نحاول، هذه أهم جملة هنا، الإستقواء بالمنظمات الغربية حلالٌ بل ربما فرض. لا داعي على الإطلاق أن نحاول أن نغيّر من الداخل. النظام لا يرانا بشراً، ويكترث لتعنيف الغرب فقط.

وللغربة كلمة أخيرة، هل تعتقد، عزيزي الماثل أمام محكمة القمع والتكميم والعسكر، أنك لا تعاني من الغربة هنا؟ أليس الإضطهاد الذي تعرض له الطلبة في الجامعة أقل بكثير من أي إضطهاد يتعرض له المهاجر غير الشرعي في النرويج؟ أليست الغربة أخف وأحلى وأحسن من الإغتراب في مجتمعك وبلدك عندما تحاكم عسكرياً بسبب كلمة أو قصة شعر؟ الغربة حتماً أخف من الإغتراب، والغريب أحن عليك من أهلك، إفهم، لو أن هناك معركة لقاتلنا من أجل الحرية، لكن لا وجود لمعركة، يوجد إعتداء وفقط، توجد ضحية، أنت وأنا، ضحايا لا غير، لسنا جنوداً ولا محاربين، يا ريت في معركة من أجل الحرية، يا ريت، في إنتهاك وهتك وإضطهاد لأبسط حرياتنا، فقط لا غير.

ومن باب الإحتياط والثقافة، للقضاء الأردني وللنظام، مش غلط الواحد يقرأ، جون ستيوارت ميل، سنة ١٨٥٩، كتب هذا الكتيب، وأول ما كتبه بقلك أنا مستحي من حالي إنه لسّا في داعي الواحد يثبت الصحّة المنطقية للحريات الفردية، جون ستوارت ميل كتب وهو مستحي، والنظام بيحبس وبحاكم عسكري في القرن ال٢١ وما بيستحي.

http://www.bartleby.com/130/1.html

Monday, April 22, 2013

في التكتيك

لأن وجدان البعض، أولائك من تبقى فيهم من الروح شيئاً، يميل دوماً إلى اللا سلطوية، فإن الكتابة أو التدوين عن هذا الموضوع عبادة. خاصةً في التكتيكات أو الأفكار الممكن توظيفها في هدم السلطة من داخلها أو قربها. ونقول هنا اللا سلطوية بدلاً من أناركية، إذ أن اللا سلطوية تعرف ذاتها بالنفي، نفي السلطة، بدلاً من التأكيد. وبالتالي تظل اللا سلطوية في حكم النزعة والميلان والتأرجح، وهذا أصح دوماً من الثابت والراسخ والجامد. وبالرغم من أن إصطلاح الإناركية يأتي من اللاتيني في نفس الباب، أي نفي السلطة، إلى أن المصطلح إكتسب، محلياً وفي العالم، ما يجعله بثبات الحجر الأصم. ولأن كلمة أناركي استوردت كما هي في بعض الحالات، فقد باتت مفهوماً لا يعتمد على النفي بشكل مطلق، ويبقى بذلك مصطلح اللا السلطوية أبلغ وأقرب للقصد.

على كل، وبما أنني لا أؤمن بالعنف دوماً، بل في أحيانٍ قليلة استثنائية لا أعرفها، ولأنه من الأفضل أن يترك العنف لأهله، أهل السلطة والمال والجبروت، سلاطين المنكوبة والقصور، كان لا بد أن يكتب شيءٌ ما عن التكتيك في مجابهة المؤسسة. وكل المؤسسات ساقطة وعنيفة، وكلها تمارس ما تمارس من عهرٍ وسفالةٍ وعزلٍ وإقصاء، ومن ضمن هذه المؤسسات، للتعديد وليس العد، العائلة ودور العبادة والجريدة والشرطة والوزارات والشركات والأحزاب ومجالس الرجال (وتستثنى جلسات النساء التي تدار بشكل مختلف يظهر بوضوح تفوق المجتمع الأنثوي على الذكوري). ورأس هذه المؤسسات وأبوها الحرفي والروحي هي الدولة والنظام. وعند مناجاة التاريخ أدلة كثر، على أن الدول والأنظمة كانت دوماً عدو الإنسان الأول والأخير. 

لا بد أن نذكر، قبل البدء بالسرد والحديث، أن الدولة مجرمة بحق الناس دوماً وأبداً، فهي تحاكم تبعاً لقوانين صنعها رجال يتربحون منها، ومن ثم تنزل عقوبة تخترعها وتطورها عبر السنين، وهي المؤسسة الوحيدة على وجه الأرض التي تمارس التعذيب والسجن والإكراه على العمل، وتسرق من مال الناس وقوتهم كي تضطهدهم وتعنفهم وتضربهم بالسر والعلن، والدولة تنفي الفرد خارجها إذا صاح بها كفى، وتمارس الدولة النفي داخلياً وخارجياً، فإما أن تجرّد الفرد من قوته ومصدر طعامه، أو تلاحقه كلابها في الليل، أو تقصيه خارج أرضه وبلاده. والدولة بطبيعتها مسمولة العينين لا ترى ما يحل بالقوم من فاجعة ومثلة، وآذانها مصلومة لا تسمع الناس وإن وقفوا آلافاً جهاراً نهاراً يلعنونها في وجهها. وإن إنتفض الناس ضد حلكة ليلها قتلتهم وسلطت عليهم مجرمين يترزقون من مالها المسروق. وبالتالي فإن معاداة الدولة والنظام تقع في صلب الحرية والكرامة، لا تؤجل ولا تترك.

إن من ضمن ما يستطيع الفرد فعله ضد ظلم المؤسسة المنهجي، هو الكسر والسلب والتخريب والمقاطعة.

الكسر، وهنا نعني كسر الإرادة والشوكة والمنطق. وذلك يكون بإظهار قصور منطق الدولة وتضاربه. إن منطق الدولة والنظام لا يسلم أبداً، إذ هي دوماً تلتف على نفسها، ولا تملك الصدق ولا النزاهة، فالدولة تحابي أصحاب المال والقوة على حساب المساكين. إن إظهار سقوط الدولة لمن لا يراه في مقام الدعوة. أيضاً، إن خلق ظروف تؤدي إلى إرتباك الدولة والنظام مهم جداً، والأدق من ذلك، أن خلق ظروف أو وضع يؤدي إلى الإرتباك وقلب هرم السلطة رأساً على عقب أساسي في مساعدة الناس والذات على تذوق طعم الحرية. والمظاهرات والإعتصامات مثال على ذلك في حال شكّلت ظرفاً كان فيه الناس أقوى من أجهزة الدولة. أيضاً، إن خلق حالة تتحدى المنطق قد يوفي بالغرض أحياناً. كظهور مئة من الناس، أو حتى عشرات، بشكل منسق، بحيث يرتدون جميعاً زياً غريباً، أو يفعلون عملاً غير معتاداً. وهذه دوماً تضع الشرطة (رجال المؤسسة في الشارع) في حالة من الذهول أو الإرتباك. (تخيل رد فعل الشرطة على ظهور عشرات الشباب في مكان ضيق -كي يظهروا أكثر عدداً بحكم ضيق المكان- وقد تنكروا جميعاً كمهرجين يحملون البالونات). إن حالة الإرتباك ومحاولة وقف هكذا عمل من قبل رجال السلطان ما هي إلا دليل على خوف السلطة الدائم من الإختلاف والتغير والعبث والحرية، إذ أن السلطة تخاف من الطائر إذا سعد. أيضاً، إن خلق مثل هذه الحالات هو فرصة معظمنا الوحيدة لتذوق حالة تشبه حالة الحرية. 

ومن ضمن الكسر أيضاً كسر القانون والعادات والتقاليد والمألوف. طبعاً لا مضر من التوضيح، أن كل ذلك حلال بشرط عدم أذية الآخرين بأي شكل. إن التدريب المستمر، والممارسة الفاعلة في كسر القانون والعادات تقع في صلب التمرين على الحرية، وهي أيضاً إمتحانٌ للراسخ والثابت والجامد وتحجيمٌ له وتأكيدٌ على أن الناس ليست بحاجة للأنظمة، فمعظم الناس لن تسرق ولن تقتل حتى في غياب القانون. بل العكس، الأنظمة والقوانين بحاجة للناس، والأنظمة والدول تسرق وتقتل في حضور القانون والعادات. إن كل كسر وصدعٍ في جدران التقاليد والعادات والقانون والأنظمة ينال ثواب الحرية ولو بمقدار.

السلب، وهنا نعني سلب أدوات النظام، والأصح هو القول باسترجاع الأدوات، إلا أن السلب يفترض الدهاء والسرية، بعكس الإسترجاع. وفي هذا الباب يأتي الإمتناع عن الشهادة في محاكم النظام، ومحاولة تسيير الشؤون بين الناس والأخوة والجيران بعيداً عن الأنظمة الفاسدة العفنة. يأتي في هذا الباب أيضاً تنسيق وترتيب شؤون الناس بدون العودة إلى الشرطة والمحكمة والوالي والشيخ والقس، والتصالح والتعاون بين الناس بدلاً من اللجوء إلى أدوات النظام يساعد في إظهار تفاهتها وعقمها وسهولة تسيير الأمور دونها. في السلب أيضاً تأتي المدونات والموقع الإلكترونية المستقلة بدلاً من الجريدة، ومحطات التلفاز المستقلة والأجنبية بدلاً من قناة النظام، وهكذا..

التخريب، وهو تخريب النظام نفسه أو تخريب أدواته. ويشمل ذلك الخطأ المتعمد في الوظيفة، والإمتناع عن إرشاد الشرطي إلى مخبأ الهارب، ويأتي فيها إسقاط الخدعة الكبرى، وهي أن الفرد مجبرٌ على الأخلاق عند تعامله مع المؤسسة أو الشركة أو النظام. التخريب أيضاً يجوز على شبكة المعلومات. ويجوز أيضاً في ضرب أعضاء جسم الدولة ببعضها البعض عند الإمكان، يجوز التخريب طالما أنه لا يؤذي الناس، ويؤذي المؤسسة الحاكمة فقط.

المقاطعة، وهي تفادي التعامل والتواصل مع الدولة متى ما أمكن ذلك. ويشمل هذا مقاطعة الإنتخابات وخطاب الدولة ومؤسساتها ورجال السلاطين. ويشمل ذلك، تبعاً لهادي العلوي، عن أحد أقطاب الصوفية، عدم النظر إلى القصور كي لا يساهم في بنائها في عقول الناس، والنظر فقط في حالة الحاجة إلى تحديد المكان لغرض ما. وهكذا..

Wednesday, April 17, 2013

بابا فين؟ بابا هنا، هنا هو...




قبل البدء، هذه التدوينة تتناول جدياً مقال موفق محادين الصادر اليوم في جريدة العرب اليوم (كل الشكر للجريدة التي توفر لنا هذا الكم من الكوميديا من خلال كتابات موفق محادين وناهض حتر). مقال اليوم لمحادين يبحث في موضوع مناهضة الأتبورية. وللتذكير، ولأولائك الذين لا يتابعون السقوط الفكري، الأتبورية نظرية مؤامرة فريدة من نوعها، تقول بأن هنالك مجموعات، تدعى الأتبورية، تديرها الولايات المتحدة الأمريكية حول العالم، للإطاحة بالأنظمة الممانعة، كسورية والأردن ومصر وتونس وروسيا وأوكرانيا واليمن والبحرين ويوغسلافيا سابقاً، هذه المجموعات تشمل اليساريين الليبراليين، والسلفيين والإسلاميين والحراكيين وبعض المستقلين ومؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية وغيرها. هذه المجموعات تعمل بالسر والعلن، بالمال والمجان، تعلم أحياناً أنها أتبورية، وتجهل ذلك في أحيان أخرى. هذه المجموعات تعمل ليلاً نهاراً لخدمة المصالح الأتبورية والأمريكية حول العالم. صاحب هذه النظرية هو فراس محادين، إبن كاتب المقال، وهو أتبوري سابق، انشق عن هذه التنظيمات السرية مؤخراً ليفضحها حول العالم، وليساهم بذلك في دحر الأمريكان في الساحات الدولية، وحماية المنطقة من التغول.

هذا الشبل من ذاك الأسد، ترتدي هذه المقولة اليوم معنىً جديداً، فهذا الشبل من ذلك الأسد، الأب، أو الأسد ملك سورية، أيهما؟

الأب: لطالما استحوذ الأب على مكانة مهمة في الوجدان الإنساني (وهذا لا يحتاج للكثير من التفسير، إذ أن الأب هو السلطة والأمن والرعاية والمنافسة)، بدءًا بالأعمال الروائية القديمة، كالإنجيل، (يا أبتاه سامحهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون)، أو الأعمال السينمائية العظيمة كالعراب (كان دور مارلين براندو كالأب مهماً جداً ويستحق الكثير من النقاش، وهو لا يقل أهمية أو درامية عن دور موفق محادين كأب يعمل ككاتب في صحيفة)، وانتهاءً بالأغنية الملتزمة مثل "بابا فين بابا هنا هنا هو، اقله مين". لكننا اليوم نشهد ثورة في صورة الأب أدبياً. يقوم موفق محادين اليوم، بالدفاع عن نثريات ابنه المتخيلة من خلال مقال في جريدة العرب اليوم دون هوادة ولا تردد. دور الأب في الدفاع عن ابنه مهما كانت الظروف الجوية أو التشبيحية دور جدير بالتحليل. هل أن الأب يقف إلى جانب إبنه على الرغم من معرفته بجنون الفتى؟ أم أن الثنائي يعانيان معاً من نفس الإضطراب النفسي؟ على كل، فإن مقال محادين اليوم قد يبدو للوهلة الأولى مثيراً للإعجاب أو التعاطف، (cute)، إذ أن الأب، ومن موقعه ككاتب في صحيفة يومية، يقوم بالدفاع عن ابنه ضد الهجمة التي يتعرض لها بسبب مواقفه الوطنية وفضحه للمؤامرات التي تحاك ضد الوطن (الأردن أو سورية أو روسيا أو وطن ما  آخر). كثير كيوت. لكن هنالك المزيد ليتم البحث فيه.

أولاً، يبدو أن هنالك نزعة عفوية للتوأمة ما بين صحيفة العرب اليوم من جهة، وقناة الميادين، ففي حين تقوم الميادين بإستقبال آباء العاملين لديها في برامجها، تقوم جريدة العرب اليوم بنشر مقالات للدفاع عن أبناء العاملين لديها. 
ثانياً، يتم التعامل مع مهنة الصحافة اليوم كصنعة، صنعة بكل ما كانت تعنيه الكلمة قبل الثورة الصناعية، فإبن الحداد الحداد، وإبن النجار نجار، وإبن الإعلامي في قناة الميادين.
ثالثاً، تقوم كل الهجمة التي يقودها فراس محادين على الحراكيين والناشطين على نظرية مؤامرة، هذه النظرية لا يمكن قياسها، ولا التأكد منها، ولا تطرح أدلة ولا مجالاً للشك في مصداقيتها. يمكن فعلياً تأليف أي نظرية أو نص مشابه دون تعب ولا مجهود والإدعاء بأنه نص ينقل الحقيقة إذا ما أردنا أن نكتب أو نفكر كما الثنائي المذكور.
رابعاً، إن السقوط الفكري الهائل، الذي نجد أنفسنا مضطرين للتعامل معه في كتابات الثنائي، من السقوط فيما يتعلق بالحراك أو نظرية المؤامرة أو الخيال العلمي، لا يتق لنا مجالاً لأخذ أي من هذه النصوص على محمل الجد، فعدا التعامل مع هذه النصوص كخيال علمي أو نتاج هستيريا أو تهيؤات، لا يمكننا فعلياً نقاش مضمونها. خاصةً أننا لا نمتلك أي مصدر للمعلومات عن النظرية أو الحقائق المحيطة بها سوى كتابات صاحب النظرية. وهذه تقع في صلب الطرح المتوهم أو المتخيل تماماً.

ولذلك، سنعود إلى السخرية أو الجدية في التعامل مع الأزمة الفكرية التي نتناولها.

على فراس محادين، الذي إنشق منذ فترة بسيطة عن تنظيمه الإتبوري، أن يقدم، وعلى الملأ، تقريراً مفصلاً عن علاقاته التي صاغها خلال تلك الفترة مع السفارات الأجنبية، تماماً كما وضّح في العديد من كتابته. أيضاً، فإن زيارة فراس محادين إلى قطر من ضمن نشاطاته الحراكية مليئة بالشبهات، هل من الممكن أن ما تلقنه هناك كان هو ما يلقيه في وجوهنا اليوم من ترهات؟

أيضاً، ليس من المعقول أن يكون رئيس رابطة الكتاب، موفق محادين، مصاباً بهذه الأمراض النفسية، (رؤية ظروف وعوامل غير موجودة أو لا يراها سواه وإبنه، التهيؤات المصابة بجنون الإضطهاد والمؤامرة، تسخير مهنة الصحافة لأغراض تعزيز العلاقات الأسرية، التصفيق للدم المسفوك في سورية، رفض الواقع، دمج الخيال مع الظروف الموجودة في المحيط، عدم القدرة على التمييز ما بين الحقيقي والمتخيل...). 

ركزوا معي قليلاً، إن خرج علينا يوماً أحدهم، وقال بنظرية أن كل العالم يتم التحكم به من قبل كائنات فضائية تسيّر أفكارنا وأجسادنا، دون أن نعرف، ولأن هذه الكائنات شديدة التطور، فإننا لا نستطيع أن نثبت أنها موجودة وهذا أيضاً يفسر عدم وجود أدلة أو مراجع عن دورها الكبير في تسيير الكون، ألن يتم التعامل مع هذا الشخص كمضطرب ذهنياً؟ أقول هذا وأنا أبعد ما أكون عن السخرية أو التهكم، نحن بصدد طرح مجنون تماماً خارج عن المنطق والعلم والقياس والتأكد. في هذا العالم، أو في دول العالم الأول على الأقل، فإن هذا الشخص تتم مساعدته بشكل علمي في مراكز متخصصة. قد تكون كل المشكلة عبارة عن خلل هرموني (ولربما تكون المشكلة جينية قابلة للتوارث والتكاثر) أو إضطراب في مسارات الكهرباء في الدماغ.

لقد تطور علم الأعصاب كثيراً خلال نصف القرن المنصرم، وباتت الكثير من هذه الإضطرابات قابلة للحل بعيداً عن الصعقات الكهربائية، لا بل وبإستخدام أدوية حديثة وجراحة دقيقة قد تساعد المريض كثيراً على العودة إلى العالم الواقعي حيث يعيش باقي البشر.

دفاعاً عن الجنون: إن العقلانية التي تدعي البشرية أنها تتبعها ليست أفضل ولا أحسن ولا متفوقة على الجنون أو الإضطراب النفسي. كل حالات الوعي، العقلانية أو المجنونة متساوية تماماً في قيمتها. وبالتالي ليس هناك حالة أفضل من أخرى أو أولى منها. لكن ما نقوله هنا، أن المجنون، مع كل حقه في أن يكون مضطرباً أو متوهماً، لا يجوز أن يوضع في مواقع تليق أكثر بأصحاب العقول السليمة. كرئاسة رابطة كتّاب أو قرّاء أو نادي كتاب أو حتى نادي جمع طوابع. ولا يجوز أيضاً أن يتعرض وعي المجتمع لمقالات كمقال اليوم لمجرد أن إبن كاتب المقال يتعرض لتعليقات تتساءل عن سوية عقله. إذا بات هذا هو المقبول في المجتمع، فإننا قد نتعرض لما هو أسوأ بكثير في المستقبل، ما الذي سيمنع ناهض حتر غداً من كتابة مقال في الصحيفة عن الوطن البديل للكائنات الفضائية؟ أو أن نرى قناة رؤية وقد خصصت برنامجاً لديها عن المؤامرات السرية غير المعروفة التي تتحكم بنا؟

لقد آن للعقل والعقلانيين أن يتحركوا قبل أن يفقد هذا الوجود آخر ما تبقى فيه من منطق، وعدا ذلك، فإننا سنعود إلى الغابة.

يسعد رب يحيى السعود، على الأقل الواحد بيختلف معه، بس عاقل!


Sunday, April 14, 2013

نظام الأمن والأمان



من المجدي دوماً التساؤل عن طبيعة النظام الذي نرزح تحته. هل نعيش في ظل نظام فاشي؟ كنت أود أن اكتب هذه التدوينة عن هذا الموضوع، لكن زبدة الكلام فيه قليلة كماً ولربما يعرفها المعظم. (أنصح بتشغيل الأغنية خلال القراءة)



أولاً، إذا ما بحثنا عن أي نوع من أنواع المعايير لتقييم إذا ما كان نظام ما فاشياً، وهناك العديد من هذه المعايير، صاغها العديد من المفكرين، من أمثال اميليو جنتيلي على سبيل المثال لا الحصر، سنكتشف أن النظام الذي نعاني بسببه ونرزح تحته ليس نظاماً فاشياً على الإطلاق. إن كون نظام ما نظاماً فاشياً يستدعي الكثير من الشروط والعوامل التي لا تنقص النظام الأردني فحسب، بل يحتاج النظام الأردني للعديد من سنوات العمل الجاد على تطوير ذاته من أجل الوصول لها. مثلاً، النظام الأردني لا يمتلك حزب نظامي مكون في سواده الأعظم من الطبقة الوسطى، إذ لا وجود لطبقة وسطى. يفتقر النظام لأي بنية فكرية ولو عامة فيما يتعلق بالإقتصاد أو السياسة أو الأيدلوجيات. لا يمتلك النظام رؤية، لا من بعيد ولا من قريب، ولا نظرة أو رغبة بالقوة ولا بالنهوض بالأمة ولا... لا شيء، النظام أفشل من أن يكون فاشياً في الوقت الحالي، ولربما يحتاج إلى سنون طويلة قبل أن يقترب بما يكفي من أن يصبح فاشياً. إذاً ما الذي نعاني منه؟ (يجب أن أذكر، أن التطابق الهائل بين كل المعايير المقترحة لتشخيص الأنظمة الفاشية، وطروحات اليمين الأردني -حتر- وطروحات البعث بشقيه من الفاشية والتخلف مذهلة. فعلياً، ليس هناك ما يوجد في حترية ناهض أو بعثي الظلام إلا ومذكور في مرجع ما كعنصر أساسي من عناصر الفاشية)

إذا ما فكرنا بالصورة الكبيرة التي تطرحها علينا الأغنية ال-"وطنية" الأردنية، فإن رجل الأمن، النشمي، قام بأفعال محددة عبر التسلسل التاريخي لهذه الأغاني. فهو قفز من على المدرعات، وطل من الخندق، نصب رشاشه ومن ثم قام ب... حرق الأخضر واليابس وكسر عظام أعداء الوطن وفقء أعين أولائك الذين يرمقون "الوطن" بنظرة لم تعجبه. يظهر البطل النشمي المغوار رجلاً ذكورياً قوياً، لعبته سلاحه، قادر على حماية البلاد من الأعداء. طبعاً الأغنية الوكيلية لم تحدد أبداً العدو، لم يذكر إسم العدو الذي سيقوم النشمي بمسح الأرض به في أي من هذه الأعمال الفنية. لكنها أغاني "وطنية" تغتصب الذوق والسمع والوعي والإدراك والوجود الذي يحيط بنا، رغماً عنا، إذ هذه سياسة جهاز المخابرات العامة في خلق الإنتماء والولاء للبلاد وسيدها. هذه الأغاني، في معظمها، لا تذكر الوطن أصلاً، تذكر العنف والقوة وقائد البلاد، دون أن تذكر روح المواطنة والعدالة والإخاء. طبعاً يخي، إذ أن النظام وأجهزته الأمنية مش فارق معها مفاهيم فضفاضة زي العدالة أو المواطنة.

عند النظر إلى أنظمة الحكم ومحاولة تشخيص النظام الأردني بعيداً عن الفاشية، نكتشف أن هذا النظام أقرب إلى النظام "الإستبدادي" أو "الشمولي". وهنالك معايير لهذين التصنيفين، يمكن استخدامها لتشخيص واقع النظام الواقع. على كل، فإن النظام الأردني، وأنصحكم بالتأكد ومراجعة ذلك، بعيد عن أن يكون نظام شمولي، إذ حتى النظام الشمولي بحاجة للعديد من العوامل التي تجعله كذلك، كاريزما القائد، القائد كدور وليس كفرد، شرعية راسخة ومعدلات فساد متدنية، إضافةً إلى تعددية سياسية شبه معدومة وأيدلوجية رسمية. النظام الأردني بعيد عن ذلك، وبحاجة للعمل على ذاته للوصول إلى مرحلة الأنظمة الشمولية، النظام، أقرب ما يكون إلى النظام الإستبدادي، مجرد نظام إستبدادي لا يعدو كونه قمعياً ومتسلطاً فقط. فقط لا غير. وحتى الأنظمة الإستبدادية تسمح بمقدار من التعددية، مشابه لما نجده حولنا تماماً. نظام إستبدادي و-.  

"anyways"، وبعد سنوات طويلة من هذا القرف، نسي الإنسان العادي أن يتساءل عن العدو الذي تمارس ضده كل هذه التعبئة. أكيد ليس إسرائيل، إذ أن إسرائيل، بتفوقها العسكري والعلمي والتكنولوجي والنوعي والكمي (إذ أن الجيش الأردني تم تحجيمه إلى ٣٥٠٠٠ جندي) وخاصةً في مجال الطيران والمدرعات وسلاحها النووي، ليست، على الإطلاق، من تصم اذاننا بالنصر عليهم، خاصةً أننا على علاقة سلسة جميلة معهم، صحيح أنها لصالحهم على حسابنا، لكن مش مشكلة، المهم أنهم ليسوا العدو الذي ستفقء عينه، إذ أن فقء العين يستدعي عادةً مسافة قريبة جداً من العدو، لن نصلها إذا كنا أعداء إسرائيل، إذ أنها أقوى قوة عسكرية في المنطقة واكثرها تطوراً وتفوقاً. وبنفس المنطق، أكيد ليس هذا العدو سعودياً ولا عراقياً ولا سورياً ولا شيء، هذا العدو ليس خارجياً على ما يبدو. نستطيع أيضاً أن نستدل على هذا الكلام ونؤكد عليه من خلال الدور المتعاظم للدرك. جهاز الدرك الأسفل، يثبت بوضوح أن العدو هم المدنيون، وليسوا جيشاً آخر. ليس المواطن الأردني فحسب، بل والبحريني والليبي وقريباً السوري على ما يبدو. العيون التي ستفقء ليست عيون مجندين، والعظام ليست عظام الجندي "الصهيوني". لا أبداً، هي عظامنا وعيون المواطنين في المنطقة العربية الذين يتجرأون على قول ما لا يعجب أذن السلطان. طبعاً لن يكون هناك أي محدد للعمر، فالطفل والشيخ كلاهما معرض، بنفس الإحتمالية، للتعذيب والقمع والبطش من نشامى الوطن. 

قامت الأجهزة الأمنية في السنتين الماضيتين فحسب، بإعتقال أطفال، وعرضهم على محكمة أمن الدولة بتهمة تقويض نظام الحكم، قامت الأجهزة بضرب المتظاهرين بمنقل شواء، بما في ذلك شيوخ طاعنون بالسن كانوا يحاولون تهدئة النشمي بعد أن خرج من الخندق، أيضاً، قامت الأجهزة بخلع أذن أحد المعتقلين في هبة تشرين في الزرقاء. قام النشامى بتعذيب مئات المواطنين في نفس الفترة، خارج مراكز الإعتقال، إضافةً إلى التسبب بمقتل مواطنين إثنين منذ سنتين حتى الآن.



الأهم من ذلك كله، أن الأجهزة الأمنية قامت فعلاً بتكسير عظام بعض المتظاهرين، تماماً كما هددت في الأغنية الوطنية، وقامت أيضاً بفقء عين أحد الشباب في إحدى مظاهرات السنة الماضية. فعلياً، كل ما تبقى على على الأجهزة الأمنية، تصديقاً لكل تهديداتها، الموجهة للمواطن، هو القيام بحرق الأخضر واليابس، ولا تبدو هذه بحد ذاتها بعيدة على الإطلاق.

نبهني صديق اليوم، إلى أن الأمن والأمان المعتمدين على كل هذا الكم من التجييش والدوريات والأجهزة الأمنية والإنتشار الهائل لها في كل بقعة من البلاد، دليل واضح على أنه لا في أمن ولا أمان، هي مجرد حالة مصطنعة تعكس مدى إنعدام الأمن الأمن والأمان. وتصديقاً لذلك، فإن صاحب العين المفقوءة شاهد.

على النظام الأردني أن يدرك أن إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، بدءًا بالمخابرات والدرك تحديداً، ضرورة ملحة لبقائه هو، وليس نحن فقط، إن الطريق الوحيد الممكن لإستمرار أي شيء هي دفع فاتورة البقاء في الكرسي عن طريق التنازل عن مربعات التعذيب والتهديد والبطش والقمع. هذه حقيقة شبه مطلقة على النظام أن يفهمها.

 هناك مصطلح مهم صادفته خلال البحث عن تصنيف للنظام الأردني، الكلمة هي "kleptocracy"

ودمتم.

Saturday, April 13, 2013

تفو على هكذا يسار، حي على الليبرال

قبل البدء، اللعنة على آل سعود أعداء البشر والشجر والحجر. ربنا أدم لنا قطر، مثلاً على سقوطنا السافر إلى أسفل الدرك والتاريخ.

في مأزق اليسار تظهر المشاكل الآتية:

يعني عندما يخرج علينا الحزب الشيوعي، أو الجبهة الشعبية/فرع جبل الحسين، أو غيرهم من اليسارين من كل الأنواع، بمواقف مؤيدة لطغاة معروفين بجرائم ضد الإنسانية، إضافةً إلى إدارة أنظمة قمعية عذبت وشردت ويتمت واختطفت الكثير من البشر عبر العقود، كيف لنا أن نأخذ هذا اليسار على محمل الجد؟ أو، كيف لنا أن نتعامل مع هذا اليسار وكأنه ليس يميناً؟

اليسار الأردني، المثير للشفقة بكل ما تعنيه الكلمة، معاق لدرجة أصبح فيها مؤيداً لنظام كوريا الشمالية. لا لشيء، إذ أن فاقد الشيء لا يعطيه، وبالتالي فإن البحث عن المنطق الذي جعل اليسار الأعرج يصفق ويهلل لإعاقة نظام كوريا الشمالية هو بحث عن غير الموجود. اليسار في هذه التفصيلة، أو المثال، مارس مجرد فهم ساذج متخلف وسطحي للعالم. فهم يرى في أي قوة/كيان معادي للولايات المتحدة، ولو بطريقة مثيرة للضحك والشفقة، قوة تحررية مناهضة للإمبريالية. لاحظ الصورة! ولمن لا يقرأ التاريخ، أو ينساه، فإن المجاعات التي ضربت كوريا الشمالية بين عامي ١٩٩٤ و- ١٩٩٨ أدت إلى موت ما بين ربع مليون وثلاث ملايين ونصف انسان من الجوع أو الأمراض المتعلقة بالمجاعة. الأسوأ، هو أن هذا الرقم غير دقيق بسبب كون كوريا الشمالية  بلداً مغلقاً بالكامل أمام العالم، وتحتل المكانة السفلى في ترتيب الدول من حيث الشفافية. طبعاً من الضروري أن نذكر أن المجتمع الدولي تحرك لمساعدة الشعب الكوري الشمالي حينها، بمساعدات غذائية فاقت ال-١٢ مليون طن، كانت مساعدات غير مشروطة، تبرعت الولايات المتحدة بما يقرب من خمسها، لإنقاذ الشعب الرازح تحت وطأة المجنون كيم تعريص أيل.

لا يتوقف السقوط الحر هنا، أو بالأحرى لم يبدأ هنا. هذا ليس سوى موقف تظهر فيه المشكلة بكامل قبحها. لكن التطبيل والتزمير لتشافيز أو الأسد أو بوتين ليس بعيداً عن ذلك. عندما يتداول اليسار الأعرج صوراً لبوتين كهذه، فهو ليس مجرد يسار مهووس بالفرد والقائد، لكنه أيضاً يسار متخلف، يحمل كل أمراضه المحلية، من القائد الأب وصورة الفارس المغوار والذكر البطل ويرميها أو يفرضها على بوتين. ليس أن بوتين أفضل من ذلك بكثير، إذ أنه مزور للإنتخابات وملتف على الديمقراطية، يترأس نظاماً ينتهك حقوق الإنسان داخل وخارج روسيا بشكل ممنهج، لكن اليسار لا يرى في الحزب القومي الشوفيني الروسي اشكالاً، فهو في النهاية شيء ما يسد حاجات اليساري المحلي. تماماً مثل الأسد السفاح، المتفرد بالسلطة والمسؤول عن جرائم لا تعد ولم تحصى بعد. هذا الأسد، خليفة أبيه على رئاسة سورية، كأي ملك أو إمبراطور، يرث ما يرث، طاغية إبن طاغية يقل في جنونه وجبروته قليلاً عن تشافيز، الذي لم يلتف على الديمقراطية فحسب، بل مارس قمعاً ممنجهاً للمعارضة، حمداً للطبيعة على موته.

مزيداً من السقوط. حزب الله وإيران أيضاً باتوا من ضمن المنظومة التي يؤيدها اليسار المحلي. اليسار لا يكترث لكون النظام الإيراني نظاماً مجرماً طائفياً قام بمئات الاعدامات للشيوعيين عشية تسلمه السلطة، نظاماً يقتل المدونين في زنازين التعذيب. لا بل أوسخ، لا يكترث اليسار لكون النظام الإيراني نظاماً رجعياً يستند في أفكاره إلى ميتافيزيقية بائدة لا تمت للمادية أو العلم أو الناس بصلة. لا يكترث اليساري الفهمان المتفتح. فهو ديالكتيكي مرن، ديناميكي في فهمه للعالم، لا أهمية لهذه التفاصيل الصغيرة التافهة. لا أهمية لكون حزب الله، وليس حزب الشعب، هو السلاح الوحيد الذي، عدا السلاح الإسرائيلي، الذي هاجم اللبنانيين في العقد الماضي. (طبعاً مع كامل التأكيد على سفالة وتفاهة الحريري وأشكاله وما لف لفيفه)، لا يكترث اليساري لدور حزب الله في تعزيز الطائفية مثلاً، غير مهم بالتأكيد.

يستمر السقوط، إذ أن كل هذا التخلف والغباء بحاجة لمبرر. وهو واضح وضوح الشمس، مؤامرة تقودها الولايات المتحدة وأوروبا وقطر، ضد روسيا وكوريا الشمالية وإيران وسورية ومالي وفنزويلا والجزائر. مؤامرة كونية، تحرك فيها الوجود كاملاً ضد محور التحرر والإنعتاق الذي يقوده بوتين وبشار وكيم جونغ تعريص. مؤامرة لا يمكن إثباتها، مؤامرة عالمية ضد هؤلاء الطيبين الخيرين إلي على نياتهم. قد يكون الطابع الأساسي المشترك ليسار الأردن في هذا العقد هو الفهم الساذج للديالكتيك والإمبريالية، لا شيء آخر. فهم يرى في كل ما هو ضد الولايات المتحدة الأمريكية ملاكاً وديعاً وحملاً أبيضاً يتعرض للغزو، أحمدي نجاد هو تشي هذا العصر. كلهم رفاق، يا مرن يا ديناميكي.

كل هذا واليساري الأردني المتصالح مع ذاته يدّعي كونه مطالباً بإصلاح النظام، هنا لا هناك في سورية وكوريا، فقط هنا، إذ أن شعب كوريا الشمالية أو سورية الأسد لا تنقصهما الحرية أو حقوق الإنسان، لا، فقط هنا. عقل يعادي نفسه ويلتف عليها كما الأفعى، لا أكثر ولا أقل.

لا نستطيع أن نقول كل هذا دون أن نعرّج على كلام فراس محادين في تحليل هذه اللحظة في التاريخ، (للتذكير، محادين هو المفكر والفنان والمروّج الأول لنظرية الأتبوري، القائلة بأن مجموعات تسمى الأتبورين، والتي تعمل في السر والعلن، بالمجان والمال، في "الوطن" العربي وخارجه، بتمويل من الولايات المتحدة وأوروبا، لتقويض الأنظمة المشابهة لنظام الأسد، تشتمل في تكوينها مؤسسات المجتمع المدني والناشطين والحراكيين، هؤلاء التفه المطالبين بالحرية والحقوق)، يقول فراس محادين في تحليله لواقع اليسار: "مازال اليسار (المصرى) المازوم فكريا ,لايستطيع ان يرى اشارة البوصلة ,سواء فى مصرأو فى المنطقة عموما وبشكل خاص فى سوريا ..انه الفهم السطحى للماركسية , وتاثيرات مابعد الحداثة , التى حلت محل التحليل العلمى , والطبقى ,حتى انك لا تكاد ان تفرق بين النيوليبراليين واليساريين , وعلى راى احد الاصدقاء رايات حمراء ماتلبس ان تتحول لبرتقالى تحت شمس الحقيقة"

ما بعد الحداثة أصابت كل المختلفين في الرأي مع يساريي اليوم، أما هم، فوحي ماركسي منزل ولا ينطقون عن الهوى، فهم عميق للإنسان وكرامته، لا خطأ ولا تردد، هم في نور والباقي في ضلال مبين. 

أخيراً، اليسار الأردني، الذي لم تصبه الحداثة بعد، ولا بالصدفة، إذ حصّن نفسه منها جيداً بأسوار من الكتب الصفراء، يسار لم يتعلم بعد تداول السلطة في أحزابه، يسار لا أثق به أن يحكمني ساعة، يسار اللجان المركزية والإنتخابات الشكلية، يسار الإقصاء وموقف الدعم للجزارين، تفو على هكذا يسار.

Blogger templates

About