Sunday, April 14, 2013

نظام الأمن والأمان



من المجدي دوماً التساؤل عن طبيعة النظام الذي نرزح تحته. هل نعيش في ظل نظام فاشي؟ كنت أود أن اكتب هذه التدوينة عن هذا الموضوع، لكن زبدة الكلام فيه قليلة كماً ولربما يعرفها المعظم. (أنصح بتشغيل الأغنية خلال القراءة)



أولاً، إذا ما بحثنا عن أي نوع من أنواع المعايير لتقييم إذا ما كان نظام ما فاشياً، وهناك العديد من هذه المعايير، صاغها العديد من المفكرين، من أمثال اميليو جنتيلي على سبيل المثال لا الحصر، سنكتشف أن النظام الذي نعاني بسببه ونرزح تحته ليس نظاماً فاشياً على الإطلاق. إن كون نظام ما نظاماً فاشياً يستدعي الكثير من الشروط والعوامل التي لا تنقص النظام الأردني فحسب، بل يحتاج النظام الأردني للعديد من سنوات العمل الجاد على تطوير ذاته من أجل الوصول لها. مثلاً، النظام الأردني لا يمتلك حزب نظامي مكون في سواده الأعظم من الطبقة الوسطى، إذ لا وجود لطبقة وسطى. يفتقر النظام لأي بنية فكرية ولو عامة فيما يتعلق بالإقتصاد أو السياسة أو الأيدلوجيات. لا يمتلك النظام رؤية، لا من بعيد ولا من قريب، ولا نظرة أو رغبة بالقوة ولا بالنهوض بالأمة ولا... لا شيء، النظام أفشل من أن يكون فاشياً في الوقت الحالي، ولربما يحتاج إلى سنون طويلة قبل أن يقترب بما يكفي من أن يصبح فاشياً. إذاً ما الذي نعاني منه؟ (يجب أن أذكر، أن التطابق الهائل بين كل المعايير المقترحة لتشخيص الأنظمة الفاشية، وطروحات اليمين الأردني -حتر- وطروحات البعث بشقيه من الفاشية والتخلف مذهلة. فعلياً، ليس هناك ما يوجد في حترية ناهض أو بعثي الظلام إلا ومذكور في مرجع ما كعنصر أساسي من عناصر الفاشية)

إذا ما فكرنا بالصورة الكبيرة التي تطرحها علينا الأغنية ال-"وطنية" الأردنية، فإن رجل الأمن، النشمي، قام بأفعال محددة عبر التسلسل التاريخي لهذه الأغاني. فهو قفز من على المدرعات، وطل من الخندق، نصب رشاشه ومن ثم قام ب... حرق الأخضر واليابس وكسر عظام أعداء الوطن وفقء أعين أولائك الذين يرمقون "الوطن" بنظرة لم تعجبه. يظهر البطل النشمي المغوار رجلاً ذكورياً قوياً، لعبته سلاحه، قادر على حماية البلاد من الأعداء. طبعاً الأغنية الوكيلية لم تحدد أبداً العدو، لم يذكر إسم العدو الذي سيقوم النشمي بمسح الأرض به في أي من هذه الأعمال الفنية. لكنها أغاني "وطنية" تغتصب الذوق والسمع والوعي والإدراك والوجود الذي يحيط بنا، رغماً عنا، إذ هذه سياسة جهاز المخابرات العامة في خلق الإنتماء والولاء للبلاد وسيدها. هذه الأغاني، في معظمها، لا تذكر الوطن أصلاً، تذكر العنف والقوة وقائد البلاد، دون أن تذكر روح المواطنة والعدالة والإخاء. طبعاً يخي، إذ أن النظام وأجهزته الأمنية مش فارق معها مفاهيم فضفاضة زي العدالة أو المواطنة.

عند النظر إلى أنظمة الحكم ومحاولة تشخيص النظام الأردني بعيداً عن الفاشية، نكتشف أن هذا النظام أقرب إلى النظام "الإستبدادي" أو "الشمولي". وهنالك معايير لهذين التصنيفين، يمكن استخدامها لتشخيص واقع النظام الواقع. على كل، فإن النظام الأردني، وأنصحكم بالتأكد ومراجعة ذلك، بعيد عن أن يكون نظام شمولي، إذ حتى النظام الشمولي بحاجة للعديد من العوامل التي تجعله كذلك، كاريزما القائد، القائد كدور وليس كفرد، شرعية راسخة ومعدلات فساد متدنية، إضافةً إلى تعددية سياسية شبه معدومة وأيدلوجية رسمية. النظام الأردني بعيد عن ذلك، وبحاجة للعمل على ذاته للوصول إلى مرحلة الأنظمة الشمولية، النظام، أقرب ما يكون إلى النظام الإستبدادي، مجرد نظام إستبدادي لا يعدو كونه قمعياً ومتسلطاً فقط. فقط لا غير. وحتى الأنظمة الإستبدادية تسمح بمقدار من التعددية، مشابه لما نجده حولنا تماماً. نظام إستبدادي و-.  

"anyways"، وبعد سنوات طويلة من هذا القرف، نسي الإنسان العادي أن يتساءل عن العدو الذي تمارس ضده كل هذه التعبئة. أكيد ليس إسرائيل، إذ أن إسرائيل، بتفوقها العسكري والعلمي والتكنولوجي والنوعي والكمي (إذ أن الجيش الأردني تم تحجيمه إلى ٣٥٠٠٠ جندي) وخاصةً في مجال الطيران والمدرعات وسلاحها النووي، ليست، على الإطلاق، من تصم اذاننا بالنصر عليهم، خاصةً أننا على علاقة سلسة جميلة معهم، صحيح أنها لصالحهم على حسابنا، لكن مش مشكلة، المهم أنهم ليسوا العدو الذي ستفقء عينه، إذ أن فقء العين يستدعي عادةً مسافة قريبة جداً من العدو، لن نصلها إذا كنا أعداء إسرائيل، إذ أنها أقوى قوة عسكرية في المنطقة واكثرها تطوراً وتفوقاً. وبنفس المنطق، أكيد ليس هذا العدو سعودياً ولا عراقياً ولا سورياً ولا شيء، هذا العدو ليس خارجياً على ما يبدو. نستطيع أيضاً أن نستدل على هذا الكلام ونؤكد عليه من خلال الدور المتعاظم للدرك. جهاز الدرك الأسفل، يثبت بوضوح أن العدو هم المدنيون، وليسوا جيشاً آخر. ليس المواطن الأردني فحسب، بل والبحريني والليبي وقريباً السوري على ما يبدو. العيون التي ستفقء ليست عيون مجندين، والعظام ليست عظام الجندي "الصهيوني". لا أبداً، هي عظامنا وعيون المواطنين في المنطقة العربية الذين يتجرأون على قول ما لا يعجب أذن السلطان. طبعاً لن يكون هناك أي محدد للعمر، فالطفل والشيخ كلاهما معرض، بنفس الإحتمالية، للتعذيب والقمع والبطش من نشامى الوطن. 

قامت الأجهزة الأمنية في السنتين الماضيتين فحسب، بإعتقال أطفال، وعرضهم على محكمة أمن الدولة بتهمة تقويض نظام الحكم، قامت الأجهزة بضرب المتظاهرين بمنقل شواء، بما في ذلك شيوخ طاعنون بالسن كانوا يحاولون تهدئة النشمي بعد أن خرج من الخندق، أيضاً، قامت الأجهزة بخلع أذن أحد المعتقلين في هبة تشرين في الزرقاء. قام النشامى بتعذيب مئات المواطنين في نفس الفترة، خارج مراكز الإعتقال، إضافةً إلى التسبب بمقتل مواطنين إثنين منذ سنتين حتى الآن.



الأهم من ذلك كله، أن الأجهزة الأمنية قامت فعلاً بتكسير عظام بعض المتظاهرين، تماماً كما هددت في الأغنية الوطنية، وقامت أيضاً بفقء عين أحد الشباب في إحدى مظاهرات السنة الماضية. فعلياً، كل ما تبقى على على الأجهزة الأمنية، تصديقاً لكل تهديداتها، الموجهة للمواطن، هو القيام بحرق الأخضر واليابس، ولا تبدو هذه بحد ذاتها بعيدة على الإطلاق.

نبهني صديق اليوم، إلى أن الأمن والأمان المعتمدين على كل هذا الكم من التجييش والدوريات والأجهزة الأمنية والإنتشار الهائل لها في كل بقعة من البلاد، دليل واضح على أنه لا في أمن ولا أمان، هي مجرد حالة مصطنعة تعكس مدى إنعدام الأمن الأمن والأمان. وتصديقاً لذلك، فإن صاحب العين المفقوءة شاهد.

على النظام الأردني أن يدرك أن إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، بدءًا بالمخابرات والدرك تحديداً، ضرورة ملحة لبقائه هو، وليس نحن فقط، إن الطريق الوحيد الممكن لإستمرار أي شيء هي دفع فاتورة البقاء في الكرسي عن طريق التنازل عن مربعات التعذيب والتهديد والبطش والقمع. هذه حقيقة شبه مطلقة على النظام أن يفهمها.

 هناك مصطلح مهم صادفته خلال البحث عن تصنيف للنظام الأردني، الكلمة هي "kleptocracy"

ودمتم.

There was an error in this gadget

Blogger templates

About