Wednesday, April 17, 2013

بابا فين؟ بابا هنا، هنا هو...




قبل البدء، هذه التدوينة تتناول جدياً مقال موفق محادين الصادر اليوم في جريدة العرب اليوم (كل الشكر للجريدة التي توفر لنا هذا الكم من الكوميديا من خلال كتابات موفق محادين وناهض حتر). مقال اليوم لمحادين يبحث في موضوع مناهضة الأتبورية. وللتذكير، ولأولائك الذين لا يتابعون السقوط الفكري، الأتبورية نظرية مؤامرة فريدة من نوعها، تقول بأن هنالك مجموعات، تدعى الأتبورية، تديرها الولايات المتحدة الأمريكية حول العالم، للإطاحة بالأنظمة الممانعة، كسورية والأردن ومصر وتونس وروسيا وأوكرانيا واليمن والبحرين ويوغسلافيا سابقاً، هذه المجموعات تشمل اليساريين الليبراليين، والسلفيين والإسلاميين والحراكيين وبعض المستقلين ومؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية وغيرها. هذه المجموعات تعمل بالسر والعلن، بالمال والمجان، تعلم أحياناً أنها أتبورية، وتجهل ذلك في أحيان أخرى. هذه المجموعات تعمل ليلاً نهاراً لخدمة المصالح الأتبورية والأمريكية حول العالم. صاحب هذه النظرية هو فراس محادين، إبن كاتب المقال، وهو أتبوري سابق، انشق عن هذه التنظيمات السرية مؤخراً ليفضحها حول العالم، وليساهم بذلك في دحر الأمريكان في الساحات الدولية، وحماية المنطقة من التغول.

هذا الشبل من ذاك الأسد، ترتدي هذه المقولة اليوم معنىً جديداً، فهذا الشبل من ذلك الأسد، الأب، أو الأسد ملك سورية، أيهما؟

الأب: لطالما استحوذ الأب على مكانة مهمة في الوجدان الإنساني (وهذا لا يحتاج للكثير من التفسير، إذ أن الأب هو السلطة والأمن والرعاية والمنافسة)، بدءًا بالأعمال الروائية القديمة، كالإنجيل، (يا أبتاه سامحهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون)، أو الأعمال السينمائية العظيمة كالعراب (كان دور مارلين براندو كالأب مهماً جداً ويستحق الكثير من النقاش، وهو لا يقل أهمية أو درامية عن دور موفق محادين كأب يعمل ككاتب في صحيفة)، وانتهاءً بالأغنية الملتزمة مثل "بابا فين بابا هنا هنا هو، اقله مين". لكننا اليوم نشهد ثورة في صورة الأب أدبياً. يقوم موفق محادين اليوم، بالدفاع عن نثريات ابنه المتخيلة من خلال مقال في جريدة العرب اليوم دون هوادة ولا تردد. دور الأب في الدفاع عن ابنه مهما كانت الظروف الجوية أو التشبيحية دور جدير بالتحليل. هل أن الأب يقف إلى جانب إبنه على الرغم من معرفته بجنون الفتى؟ أم أن الثنائي يعانيان معاً من نفس الإضطراب النفسي؟ على كل، فإن مقال محادين اليوم قد يبدو للوهلة الأولى مثيراً للإعجاب أو التعاطف، (cute)، إذ أن الأب، ومن موقعه ككاتب في صحيفة يومية، يقوم بالدفاع عن ابنه ضد الهجمة التي يتعرض لها بسبب مواقفه الوطنية وفضحه للمؤامرات التي تحاك ضد الوطن (الأردن أو سورية أو روسيا أو وطن ما  آخر). كثير كيوت. لكن هنالك المزيد ليتم البحث فيه.

أولاً، يبدو أن هنالك نزعة عفوية للتوأمة ما بين صحيفة العرب اليوم من جهة، وقناة الميادين، ففي حين تقوم الميادين بإستقبال آباء العاملين لديها في برامجها، تقوم جريدة العرب اليوم بنشر مقالات للدفاع عن أبناء العاملين لديها. 
ثانياً، يتم التعامل مع مهنة الصحافة اليوم كصنعة، صنعة بكل ما كانت تعنيه الكلمة قبل الثورة الصناعية، فإبن الحداد الحداد، وإبن النجار نجار، وإبن الإعلامي في قناة الميادين.
ثالثاً، تقوم كل الهجمة التي يقودها فراس محادين على الحراكيين والناشطين على نظرية مؤامرة، هذه النظرية لا يمكن قياسها، ولا التأكد منها، ولا تطرح أدلة ولا مجالاً للشك في مصداقيتها. يمكن فعلياً تأليف أي نظرية أو نص مشابه دون تعب ولا مجهود والإدعاء بأنه نص ينقل الحقيقة إذا ما أردنا أن نكتب أو نفكر كما الثنائي المذكور.
رابعاً، إن السقوط الفكري الهائل، الذي نجد أنفسنا مضطرين للتعامل معه في كتابات الثنائي، من السقوط فيما يتعلق بالحراك أو نظرية المؤامرة أو الخيال العلمي، لا يتق لنا مجالاً لأخذ أي من هذه النصوص على محمل الجد، فعدا التعامل مع هذه النصوص كخيال علمي أو نتاج هستيريا أو تهيؤات، لا يمكننا فعلياً نقاش مضمونها. خاصةً أننا لا نمتلك أي مصدر للمعلومات عن النظرية أو الحقائق المحيطة بها سوى كتابات صاحب النظرية. وهذه تقع في صلب الطرح المتوهم أو المتخيل تماماً.

ولذلك، سنعود إلى السخرية أو الجدية في التعامل مع الأزمة الفكرية التي نتناولها.

على فراس محادين، الذي إنشق منذ فترة بسيطة عن تنظيمه الإتبوري، أن يقدم، وعلى الملأ، تقريراً مفصلاً عن علاقاته التي صاغها خلال تلك الفترة مع السفارات الأجنبية، تماماً كما وضّح في العديد من كتابته. أيضاً، فإن زيارة فراس محادين إلى قطر من ضمن نشاطاته الحراكية مليئة بالشبهات، هل من الممكن أن ما تلقنه هناك كان هو ما يلقيه في وجوهنا اليوم من ترهات؟

أيضاً، ليس من المعقول أن يكون رئيس رابطة الكتاب، موفق محادين، مصاباً بهذه الأمراض النفسية، (رؤية ظروف وعوامل غير موجودة أو لا يراها سواه وإبنه، التهيؤات المصابة بجنون الإضطهاد والمؤامرة، تسخير مهنة الصحافة لأغراض تعزيز العلاقات الأسرية، التصفيق للدم المسفوك في سورية، رفض الواقع، دمج الخيال مع الظروف الموجودة في المحيط، عدم القدرة على التمييز ما بين الحقيقي والمتخيل...). 

ركزوا معي قليلاً، إن خرج علينا يوماً أحدهم، وقال بنظرية أن كل العالم يتم التحكم به من قبل كائنات فضائية تسيّر أفكارنا وأجسادنا، دون أن نعرف، ولأن هذه الكائنات شديدة التطور، فإننا لا نستطيع أن نثبت أنها موجودة وهذا أيضاً يفسر عدم وجود أدلة أو مراجع عن دورها الكبير في تسيير الكون، ألن يتم التعامل مع هذا الشخص كمضطرب ذهنياً؟ أقول هذا وأنا أبعد ما أكون عن السخرية أو التهكم، نحن بصدد طرح مجنون تماماً خارج عن المنطق والعلم والقياس والتأكد. في هذا العالم، أو في دول العالم الأول على الأقل، فإن هذا الشخص تتم مساعدته بشكل علمي في مراكز متخصصة. قد تكون كل المشكلة عبارة عن خلل هرموني (ولربما تكون المشكلة جينية قابلة للتوارث والتكاثر) أو إضطراب في مسارات الكهرباء في الدماغ.

لقد تطور علم الأعصاب كثيراً خلال نصف القرن المنصرم، وباتت الكثير من هذه الإضطرابات قابلة للحل بعيداً عن الصعقات الكهربائية، لا بل وبإستخدام أدوية حديثة وجراحة دقيقة قد تساعد المريض كثيراً على العودة إلى العالم الواقعي حيث يعيش باقي البشر.

دفاعاً عن الجنون: إن العقلانية التي تدعي البشرية أنها تتبعها ليست أفضل ولا أحسن ولا متفوقة على الجنون أو الإضطراب النفسي. كل حالات الوعي، العقلانية أو المجنونة متساوية تماماً في قيمتها. وبالتالي ليس هناك حالة أفضل من أخرى أو أولى منها. لكن ما نقوله هنا، أن المجنون، مع كل حقه في أن يكون مضطرباً أو متوهماً، لا يجوز أن يوضع في مواقع تليق أكثر بأصحاب العقول السليمة. كرئاسة رابطة كتّاب أو قرّاء أو نادي كتاب أو حتى نادي جمع طوابع. ولا يجوز أيضاً أن يتعرض وعي المجتمع لمقالات كمقال اليوم لمجرد أن إبن كاتب المقال يتعرض لتعليقات تتساءل عن سوية عقله. إذا بات هذا هو المقبول في المجتمع، فإننا قد نتعرض لما هو أسوأ بكثير في المستقبل، ما الذي سيمنع ناهض حتر غداً من كتابة مقال في الصحيفة عن الوطن البديل للكائنات الفضائية؟ أو أن نرى قناة رؤية وقد خصصت برنامجاً لديها عن المؤامرات السرية غير المعروفة التي تتحكم بنا؟

لقد آن للعقل والعقلانيين أن يتحركوا قبل أن يفقد هذا الوجود آخر ما تبقى فيه من منطق، وعدا ذلك، فإننا سنعود إلى الغابة.

يسعد رب يحيى السعود، على الأقل الواحد بيختلف معه، بس عاقل!


There was an error in this gadget

Blogger templates

About