Thursday, December 20, 2012

ألف باء أزمة الإنسان



لا يدّعي هذا النص أن ما يحتويه من أفكار هي أفكار جديدة.

الموت: إن حتمية الموت تشكل بطريقة ما المعضلة الإنسانية الأولى. هذه الحتمية تولّد إضطراباً نفسياً هائلاً لأنها ببساطة مكمن الفخ الذي يُوقع الإنسان به بلا قدرة على الرفض أو الإختيار (أي الحياة كفخ، إذ لا نملك الخيار في الولادة، ولا يمكن سؤالنا عن الرغبة فيها قبل البدء في اللعب). إن لعبة الحياة لعبة خاسرة منذ الأزل، إذ أن النتيجة الوحيدة الممكنة لها هي الموت. هذا يعني، أن لعبة الحياة ليست في الحقيقة لعبة، بل فخ قذر لا يمكن تجاوزه أو القفز عنه. وفي حين أن الحياة تفقد كامل معناها وبشكل مطلق إذا ما كانت أبدية (إن كم التراجيدية التي قد تنتج عن خلود الإنسان مرعب، إذ تفقد الحياة صفة الآنية والعفوية، وتصبح لعبة مملة لا تنتهي أبداً ولا يمكن الخروج منها ولا إنهاءها. فعلياً، إن خلود الإنسان قد يكون السيناريو الوحيد الأشد قذارةً من حتمية الموت). المهم، فإن حتمية الموت تُفقد أي إنجاز (أو مجهود أو أثر يتركه الإنسان على الكوكب) معناه تماماً بعد الموت. لا يهم إذا ما ذُكر الإنسان لاحقاً بالخير أو الشر، أو إذا ما تمكّن من مساعدة الأخرين أم لا بعد الموت، إذ أنه غير موجود حينها. وحتى لو كان ذلك يشكل نوعاً ما من المعنى، فإن حتمية الموت لدى الآخرين تفقده هذا المعنى. (إذ لا فرق شاسع بين عمل أو أثر إيجابي لحظي أو مستمر لفترة ما تتجاوز اللحظي قليلاً، فلو تمكّن الإنسان من ترك شيء "إيجابي" بعد موته، فإن هذا الأثرلا يفوق في طوله، بشكل نسبي وبالمقارنة مع عمر الأشياء، لحظة واحدة، أي أنه قليل المعنى ومؤقت وغير مهم). النتيجة الطبيعية لهذه الأزمة هو أن كل عمل وحزن وكره وحب وكلمة وأثر ونبضة قلب محتومة بالفشل الذريع أو على أقل تقدير النهاية المعروفة سلفاً، وكأن هنالك إشكالاً منطقياً في كون البشرية ما زالت تلعب هذه اللعبة بلا توقف ولا تريث ولا نظرة عن بعد.

من هنا، يسهل فهم الجنة والنار والآخرة. إذ أن هذا السيناريو هو الوحيد الممكن لحل المصيبة هذه، سيناريو يترك حل الأبدية لتكون في جنان لا تتوقف عن إدهاشنا أبداً، ويتفّه الدنيا ليجعلها مجرد إمتحان يمكن النجاح فيه. لكن بما أن الإنسان العاقل والتفكير المنطقي يقودان حصراً إلى الإلحاد، فإن السيناريو الديني لا يعدو كونه مجرد إضاءة على عالم المشكلة الإنسانية. سيناريو يُظهر بوضوح ما نود أن تكون الحقيقة. لكن لا يا حبيبي!

قد يكون المخرج الوحيد غير المنتصر، لكن المتعادل والمشرّف، من هذا الفخ هو الإنتحار. إذ هو ليس فقط قبول علني بالنتيجة التي تطرحها اللعبة بدون إستشارة، وكأننا يجب أن نحاول تغييرها، لكنه وفي نفس الوقت أيضاً، رفض علني للتقدمة أو الإغراء أو الهدف أو الهدية التي يجب أن نتعلق بها كضحايا هذا الفخ (الحياة كشيء ذو قيمة إيجابية). لكن، تكمن الكوميديا السوداء، في أن الطبيعة والحياة، زرعت في كل خلية من خلايا أجسادنا الهالكة جينات تفرض علينا غريزة البقاء، وغرست هذه الغريزة في مستوى أعمق من الوعي البشري، بل غُرست في أعماق أعماق رغباتنا وتكويننا. (رجل يمشي بهدوء في الشارع، متوجهاً إلى عمارة شاهقة الإرتفاع كي يرمي بنفسه من عليها. فيما هو متوجه نحو موته المقرر، تكاد سيارة مسرعة أن تصدمه، بدون تفكير، يقفز الرجل بعيداً عن السيارة التي فاجأته لينجو بحياته، وكأنه قط، بالرغم من أنه كان متوجهاً للموت أصلاً). وكأن الطبيعة أو الحياة، لن تترك لضعاف القلوب والنفوس والعقول فرصة الفوز أو التعادل معها، على من يريد الخروج منتصراً أو متعادلاً مع الحياة أن يتغلب على غريزة تم زرعها في كل خلية يحتويها جسمه.

الوقت: أزمة الوقت تكمن في ناحيتين. الإيقاع الثابت: لا يمكن للإنسان، مهما بلغت الظروف شدة أو قسوة أو سرعة، التحكم أو التأثير على سرعة مرور الوقت (بإستثناء السفر بسرعة عالية تقارب سرعة الضوء، لكن هذا بلا جدوى، إذ لا يتمكن معظمنا من فعل ذلك، ولأن مرور الزمن على الفرد نفسه يبقى ثابتاً، ولا تتأثر سرعة مرور الزمن عليه إلا بشكل نسبي بالمقارنة مع الأخرين ذوي السرعة المختلفة، بالتالي فإن هذه النقطة بلا أهمية على الإطلاق). أي أن الإنسان، وفي معظم حياته، يواجه إيقاعاً رتيباً مملاً من الحياة لا يمكن له أن يعدّل عليه شيئاً مهما رغب. الفرق بين الإنسان المسجون لمدة ٤٠ أو ٥٠ عاماً ولا يستطيع التأثير على سرعة مرور الزمن عليه من جهة، والإنسان المسجون في هذه الحياة لمدة مشابهة دون قدرة على التأثير على سرعة أو بطء مرور الزمن عليه من جهة أخرى، غير موجود (عداء في سباق وإنسان على عجل في حياته من أجل توفير الحياة الكريمة لأبنائه، أيضاً لا فرق، الزمن لا يكترث). أيضاً، إيقاع الزمن لا يكترث بمدى فرحتنا بقضاء الوقت مع حبيب أو عدو أو حاجتنا لمدة دقيقة واحدة من التوقف للتفكير في ظل كارثة ما أو حاجتنا لمرور الوقت أسرع قليلاً لتخفيف الشعور بالعذاب أو الوجع أو الوحدة. إيقاع رتيب ثابت بطيء/سريع/ عادي لا يكترث ولا يشعر ولا قدرة لنا عليه، يأخذنا بخطوات ثابتة إلى الموت دون أدنى قدرة لديه على رؤية حاجاتنا ومخاوفنا ومشاعرنا ودون أدنى قدرة لدينا للتأثير عليه.

المشكلة الثانية هي الإتجاه الثابت: أي لا يمكن لنا العودة عن ما نود العودة عنه، ولا يمكن لنا معرفة نتائج أفعالنا سلفاً. وهذه ليست مشكلة بحد ذاتها، لكنها كارثة إذا ما أخذنا بعين الإعتبار المحاولة الدائمة لفعل الشيء الأخلاقي والصحيح. إن ما يقدمه لنا الوجود، هو القدرة على إدراك كم قليل جداً من المعلومات، وإحساس ما أخلاقي. وفي ظل هذه المعلومات القليلة، وفي ظل وجود النجاح والفشل والضمير، يُهيء لنا أننا نستطيع، أو نود، فعل الشيء الصحيح، وهذا غير ممكن، خاصةً أن لا مجال لنا للعودة في الزمن لإصلاح أخطائنا التي نود أن نصلحها. وكأنه لا يمكن لنا أن نكون من نحن عليه تماماً (من الناحية الأخلاقية ومن ناحية الندم) في ظل عدم قدرتنا على العودة بالزمن لتدارك أخطائنا. 

وقد حاول الإنسان، المثير للشفقة، الخروج من هذه المصيبة من خلال مفاهيم الأشباح، قراءة الطالع، التنبؤ، التوقع، التعلم من أخطاء الأخرين، وهكذا.. لكن على الفاضي يابا. هذه أزمة لا خروج منها.


الوحدة/الإنعزال: لا يستطيع الإنسان، مهما أراد، أن يكون متحداً مع أي شيء آخر، لا يمكن للإنسان إلا أن يكون وحيداً ككيان محصور داخل الجلد. وفي نفس الوقت، تطور الإنسان بحيث أصبح كائناً إجتماعياً. لا يستطيع الإنسان أن يكون "واحداً" مع من يحب، مع ما يحب، مع فكرة، مع أي شيء. وبالتالي، فإن الوحدة المصاحبة لهذا الوجود الثقيل تكاد تكون غير محتملة. إذ وبالرغم من أننا قد نأكل أو ننام أو نضحك أو نحزن بمصاحبة آخرين، إلا أننا نفعل ذلك بالقرب منهم، ولا نختبر أي شعور على الإطلاق "معهم"، بنفس التفاصيل والشدة والشعور، وبالتالي، فإننا مهما فعلنا سنبقى وحيدين معزولين في عالم جاف بارد مجرد من المعنى.

وفي حين كان الحب محاولة أخرى للإنسان كي يخرج من هذا الشعور، إذ أن الممارسة الجنسية، والولادة، هي أقرب ما نستطيع خوضه في مجال الإتحاد مع الآخر، إلا أن الموت والبرد الوجودي لا يأبه بما نود أن نعتقد أنه يمثل شيئاً ما. إذ يظل الموت إنتقائياً متفرداً، ولا تختفي مهما حاولنا عدم القدرة على إختبار نفس الأشياء مع أشخاص آخرين. القاتل هنا هو عندما نبدأ بجمع هذه التفاصيل والأفكار مع ما سبقها، ومع ما يليها.

الحرية: يمنح الوجود شعوراً أو سراباً واهياً ما من الإحساس بالحرية. وكأن لدى الإنسان القدرة على فعل ما يشاء، أو بعض ما يشاء، وتغيير ظروفه ومصيره ومستقبله، أو رسمها، كما يريد. لكن هذه كذبة خالية تماماً من الحقيقة. الواقع أننا لا نتحكم إلا بالقليل القليل من تفاصيل حياتنا غير المهمة، كطبخ الفاصولياء أو البامية. لكن عدا ذلك، فإن جنسيتنا، الدين الذي نولد فيه، التعليم الذي يتاح لنا، ذكائنا، إحتمالية إصابتنا بالسرطان، ميولنا الجنسية، شكلنا، طبيعة أجسامنا، الوضع المادي لأسرنا (والذي يؤثر كثيراً على ما يلي في حياتنا)، وشخصيات أهلنا، والكثير الكثير هي كلها أشياء لا نمتلك أدنى قدرة على تحديدها أو تغييرها أو دفعها بإتجاه ما.

أيضاً، كل ما يبدو لنا أنه من ضمن ما نستطيع إختياره، يقع فعلياً في تكوين شخصيتنا، التي لا نكوّنها كما نريد. أي ان كل ما نفعله وكل ما نحن عليه هو النتيجة الواضحة لما تعرضنا له من أحداث في حياتنا. ليس لدى الإنسان القدرة على الخروج من تكوينه، لذا، فإن كل قرار نتخذه هو محصلة للكثير الكثير من التجارب والأحداث والدروس والعبر والظروف التي تعرضنا لها، وفي مجملها هي أشياء طبخت معاً في داخلنا كي نصبح كما نحن عليه، وهي كلها أشياء لم يكن لنا أدنى نوع من السيطرة عليها. نحن كبشر نمثل حوامل لهذه الأحداث والظروف والعوامل، لا شيء آخر. إن أثرنا فيها، مهما بدا لنا أننا نحدده، ما هو إلا نتاج شخصية كوّنها الوجود فينا، ولا نكوّنها فيه

الذاكرة: أولاً، النسيان كقدرة غير قابلة للتحكم: تعمل الذاكرة بدون سلطة مباشرة للوعي عليها. وبالتالي، وفي هذه الحياة الغريبة، لا نستطيع أن ننسى ما نود بشدة أن ننساه، ولا نستطيع أن نتذكر التفاصيل التي نود تذكرها. الأسوأ، أن الذاكرة ترتب الذكريات كما تشاء، ولا تنقلها لنا بشكل دقيق، وبالتالي تقصّر الفترة الزمنية التي نود لها أن تكون طويلة، وتطيل فترة زمنية تحمل الكثير من الألم، ننسى وجوه أناس نود تذكرها، نتذكر وجه بلطجي، كلها أشياء لا قدرة لنا عليها. وهذه الذاكرة التي ترتب وتتذكر وتكذب وتلفق وتنسى كما تشاء، هي التي تشكل جزءًا كبيراً من ما نحن عليه في كل لحظة. ثانياً، إستمرار الذاكرة في تخزين وإسترجاع الأحداث والناس والأشياء، يجعلنا شخصاً مختلفاً بعض الشيء في كل لحظة. وكأن الوجود ينكر علينا أن نكون كما نكون لفترة ما، بل العكس، تتابع الذاكرة عملها بلا تلكؤ ولا هوادة جاعلةً منا شخصاً مختلفاً في كل لحظة، بالكاد نستطيع نحن التعرف عليه.

روح يابا.


.
There was an error in this gadget

Blogger templates

About