Sunday, September 2, 2012

محاولة تفكيك (٢)

المقال المُحاول تفكيكه فيما يلي هو مقال رحيل غرايبة في جريدة العرب اليوم. النص الملون بالأزرق اقتباسات من مقال الكاتب،
http://alarabalyawm.net/Public_Journalists/Journalist_Article.aspx?ArticleID=853&JournalistID=66



محاولة تفكيك (٢)


"لا تستطيع الأمم القوية الاستمرار بالبقاء إلا من خلال بنيانها الثقافي القيمي، لأنه يمثل القوة الحقيقية لها، وأما القوة المادية فهي مؤقتة وذات أثر وقتي ملحوظ، وليس له ثمرة دائمة ولا إنتاج مستمر، إلا عندما تدعمها ركائز فكرية ودعائم ثقافية وقيم حضارية، ولذلك نجدها تعمد إلى العناية بالفن من أجل أن يكون أداة في نشر ثقافتها وقيمها بين الشعوب والأمم الأخرى تمهيداً للاختراق الثقافي والهيمنة الحضارية الشاملة قبل الهيمنة المادية والعسكرية، وأصبح الفن من أقوى الأسلحة تأثيراً في عالم المواجهة بين القوى المتصارعة."

تستطيع الأمم القوية الاستمرار بالبقاء من خلال بنيانها المادي، وهنا تتمثل القوة الحقيقية لها، أما ما عدا ذلك من بنيان ثقافي أو فني فهو ذو أثر سطحي محدود، لا ثمار له ولا إنتاج مستمر، وما هو سوى إنعكاس سريع وسطحي للشكل والمضمون المادي السائد. ولذلك فإننا نجد أن هذه الأمم تعمد إلى العناية الفائقة بإعادة إنتاج اشكالها الإقتصادية بين الشعوب والأمم الأخرى تمهيداً للإختراق المادي والهيمنة الإمبريالية الحضارية الشاملة قبل الهيمنة الفكرية والثقافية. وأصبحت إعادة إنتاج الأنماط الإستهلاكية من أقوى الأسلحة في عالم المواجهة بين القوى المتصارعة.

نستطيع هنا أن نرى بسهولة وبوضوح  كبير المشكلة الحقيقية في النص. هذا النص في طبيعته وبنيانه لا يضيف شيئاً للعالم. والدليل هو أن نصاً آخراً يصبح قابلاً للإنتاج وبفكر مغاير لو قمنا بعكس أماكن الكلمات كما حدث أعلاه. هنا تكمن نقطة محورية، إن هذا النص  ببساطة يعطي حقائقاً معظمها فرضيات، ولا يسعى بأي شكل لإثباتها، ولذلك فإن غياب المنطق يحول السابق من مقال إلى سردية تتيح إمكانية التبديل هذه بدون أن يقل المقال المشتق قدراً عن المقال الأصلي من ناحية المضمون. حتى أكثر السرديات ضعفاً لا تمكن ال"آخر" من هكذا فعل بهكذا سهولة. هذه قد تكون اشكالية عادية، لكن النص يحتوي أيضاً على مشكلة أكبر، هنالك حالة انفصام منتجة لهذا النص. إن لم نقل هلوسة فكرية في غاية الخطورة، ومن هنا وجب التفكيك.

قد يبدو أن إمكانية حدوث ما سبق هو فقدان أو ضياع المنطق من المقال فحسب. لكن الحقيقة أن هذه هي نتيجة بحد ذاتها للمشكلة الأكبر.هناك حالة إنفصام على أربعة مستويات في النص. المستوى الأول هو الإنفصام التام ما بين الشكل والمضمون في السردية. وهذا يتيح، إن اردنا أن نتأكد بالتجربة، أن نغير موضوع النص بتبديل لعدد محدد وقليل من الكلمات.  مثلاً:

وعلى هذا الأساس نريد للفن أن يزدهر وينمو ويبدع ويتميز بما يخدم قوة الأمة ووحدتها، ويحرس حصونها من الداخل وينمي معاني الانتماء العميق والمتجذر لدى الأجيال القادمة حتى تكون قادرة على صنع استقلالها وقوتها وبناء حضارتها وصيانة تراثها وهويتها وقادرة أيضا على خوض المواجهة الناجحة في هذا العالم الذي يقوده الأقوياء ثقافة وفنا وإبداعا وحضارة مادية ومعنوية.

وعلى هذا الأساس نريد للزراعة أن تزدهر وتنمو (ويبدع) وتتميز بما يخدم قوة الأمة ووحدتها، و يحرس حصونها من الداخل وينمي معاني الانتماء العميق والمتجذر مع الأرض  لدى الأجيال القادمة حتى تكون قادرة على صنع استقلالها وقوتها وبناء حضارتها وصيانة تراثها وهويتها الزراعية وقادرة أيضا على خوض المواجهة الناجحة في هذا العالم الذي يقوده الأقوياء (ثقافة وفنا وإبداعا) زراعة وصناعة وحضارة مادية ومعنوية.

إن إمكانية حدوث ما سبق هو نتيجة لإنفصام ما بين الشكل والمضمون، بحيث نستطيع إظهار هذا الشرخ بسهولة لأن شكل النص لا يمت بصلة للمضمون الذي يحاول سرده.


هذا ينقلنا حتماً للمستوى الثاني، الإنفصام الناتج عن عدم تناول السردية موضوع الفن والتراث حقيقة. إن النص لا يتناول الموضوع الذي يدعي تناوله. النص السابق لا يحتوي على مضمون أصلاً، هو مجرد شكل جاهز، أو نموذج، أو هيكل ( form or template) يمكن تعبئته بأي كلمات تتعلق بموضوع ما فيصبح الناتج مقالاً. لأن النص المكترث للفن صدقاً، أو للزراعة، سيكترث لدرجة أبعد من ذلك، سيكترث لدرجة أن المقال  سيصعب حرفه عن حقيقة اتجاهه ببساطة تبديل كلمات قليلة جداً. الكاتب لا يرى في الفن كل تلك الأهمية التي يدعيها كما في الفقرة السابقة. الكاتب يرى في الفن أداة يمتلكها أو يتمنى أن يمتلكها لتفيده في نصرة الخير.

هذا الشكل أو ال-(form) ليس إلا شكلاً لسردية مفصومة أخرى تتناول مزدوجة بعيدة كبيرة أو ملحمة يتخيلها الكاتب، كما في أي سردية أخرى أكبر كالإنجيل أو القران أو فيلم العراب. من الواضح مثلاً، أن جملة "وينبغي أن نعلم جيدا أنه يكثر العملاء والمستأجرون والمرتزقة في عالم الفن" ليست عن الفن ولا عالم الفن. هي عن الحرب العظيمة المتخيلة. انها تتحدث عن الحرب الكبيرة ما بين الخير والشر. يمثل الكاتب فيها صوت الخير، والمسؤولية، والنظرة العميقة المهتمة بإنقاذنا من براثم الشر وغياهب الضياع. هو صوت الخير بينما القراء هم أذرع محتملة للتطبيق على الأرض. هو يسرد لنا قصة، لكن في شكل مقال هامشي عن أهمية الفن.

من اللطيف جداً أن نفكر في هذه السردية. ال-من وال-ماذا. من هو الخير؟ الخير هو الأمة الإسلامية الواقعة في خضم حرب ضروس على مستوى العالم مع أمة أخرى. لكن، إن فكرنا، من هي الأمة الأخرى؟ هل هي الغرب الكافر الزنديق، الذي يحاول بشتى الوسائل المبتذلة أن "يخترقنا" فكرياً وثقافياً؟ هل يحاول الغرب الكافر فعل ذلك حقا؟ تتملكني قناعة تامة أن مسلسل "فريندز" لم يصنع للشباب المسلم أو العربي للتغرير به. هو مسلسل أمريكي بحت، صادف نجاحاً وصل عندنا. لكن هل كان الأشرار يكتبون هذا المسلسل وفي بالهم اخترقنا فكرياً؟ هل كتب أي شيء منذ ولادة صناعة الأفلام لأجلنا؟ للإيقاع بنا؟ لا بسيطة وواضحة.

أما فيما يتعلق بال- ماذا، ما هو الخير؟ (أو الشر). هل هناك أشخاص خيّرون، أم أن هناك أفعالاً خيّرة؟ بما معناه، هل من الممكن أن يكون هناك شخصاً خيّراً بالمطلق؟ أم أن أفعالاً يقوم بها هي الخيّرة؟ في السردية غير المعلنة للنص، يضع الكاتب نفسه في إطار أكبر، هو الأمة الموجودة حالياً في حالة حرب، أمة تواجه الإختراق من الآخر القوي. يصادف أن هذه الأمة تمثل الخير، أوال- "صح". لكن هل هذا صحيح؟ هل هنالك أمة خيّرة؟ بغض النظر عن كل الإحتمالات الأخرى، بغض النظر عن الأفعال؟ هذه النظرة في عمقها فاشية. تصبغ أمة ما بالخير المطلق ونقطة. الإختلاف بين هذه النظرة والطرح النازي عن تفوق العرق الآري طفيف. كلا النظرتان تصبغان الجيد والسيء بناءً على صدفة ولادة شخص ما لأم ما بدلاً من أفعاله. أو على مستوى الأمة، تصبغان الجيد والسيئ بناءً على الدين، الذي نرثه ولا نختاره في معظم الحالات. إن الإنتماء لأمة ما هو محض صدفة، وليس إنجازاً، وبالتالي فإن الأمة الخيّرة لا تستطيع الوجود، هنالك أمة تقوم بجرائم لسبب ما، أو أمة تساعد المستضعفين في بلاد أخرى. لكن أمة الخير، أو الأمة التي يكتب الكاتب عنها ليست كذلك. هي أمة الخير المطلق. هنا تصادفنا مسألة أخرى. هل الأمتان موجودتان؟ هل يرى الغرب نفسه كأمة؟ هل يروننا كأمة؟ هل نستطيع أن نقول أن أمة المسلمين موجودة أصلاً؟ هل نرى أنفسنا كذلك؟ من الواضح طبعاً رأي الكاتب في هذا الموضوع، لكنه رأي تعسفي، لا مجال لنقاشه بدون الإضطرار لنقد الفكرة المسلم بها لديه. لكن هذا سيضعنا مع الأشرار حتماً.


تطرأ هنا نقطة أخرى. لماذا لا يحاول الكاتب أن يقنعنا بوجود هذه الحرب؟ لماذا لا يرى أهمية في إثبات المتخيل؟ لسبب بسيط، هو لا يتكلم معنا. نحن، إن فكرنا ملياً، نحن أيضاً من الاخر العدو، الكاتب هنا يتحدث مع نفسه، ببساطة تامة. يتحدث مع  نفسه ومن يرون العالم كما يراه هو. فعلياً، إن سر العضوية والإنتماء للطرف الجيد الخيّر هو فعلياً سر العضوية والإنتماء للطرف الجيد. بما معناه، هذه السردية غير محتاجة للإثبات إن كنت من الطرف الخيّر، لأن شرط الإنتماء للطرف الخيّر هو الإيمان والإقتناع وحتى رؤية هذه الحرب الملحمية. إن سر السكوت عن الإثبات يتضح إن فكرنا بما يلي، ماذا يمثل هذا النص في المعركة الكبيرة العظمى.يمثل هذا النص بياناً في المعركة الكبرى، موجهاً إلى المواطنين في دولة الخير، يحذرهم فيه من الشرير وثقافته، ومن المرتزقة بين ظهرانيهم. هذا بيان توعية خلال المعركة، للجند والناس، كي يتوخوا الحذر من الشرير الماكر كي يتفادوا مكره وشره. هذا بإختصار، بروباغاندا نازية بإمتياز، لكنها أيضاً سيئة، جوبلز يتألم الآن في قبره.
There was an error in this gadget

Blogger templates

About